في إطار سلسلة اللقاءات الدورية التي تنظمها وزارة الشؤون الثقافية مع الصحفيين تتواصل جلسات الحوار والنقاش بشأن مختلف قطاعات العمل الثقافي في تونس، من التراث إلى منظومة الدعم، في مسعى لإرساء مقاربة جديدة في إدارة الشأن الثقافي تقوم على الشفافية، والنجاعة، والمساءلة.
وكان اللقاء الأول في المركز الثقافي الدولي بالحمامات، مساحة لتقييم المهرجانات التي تشرف عليها الوزارة على مستويات عدة شملت الفلسفة والاختيارات الفنية والبرمجة والعروض الدولية والعروض التونسية والعروض المدعومة وعروض التعاون الدولي.
وشمل اللقاء الإعلامي كلّ من هند المقراني، المديرة العامة للمؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية، وليليا الورفلي، مديرة إدارة الموسيقى والرقص، ورمزي القرواشي، المدير العام للمؤسسة التونسية لحقوق التأليف والحقوق المجاورة، ونجيب الكسراوي، المدير العام للمركز الثقافي الدولي بالحمامات، ومهذب القرفي، المندوب الجهوي للشؤون الثقافية ببن عروس.
وفي إطار استراتيجيتها الرامية إلى “تعزيز التفاعل الحيني مع وسائل الإعلام الوطنية العمومية والخاصة، وتقييم الفعاليات الثقافية، وتكريس مبدأ الشفافية في إدارة الشأن الثقافي تواصلت اللقاءات وشملت قطاع التراث ومنظومة الدعم.
التراث في قلب النقاش
نظرا لأهمية قطاع التراث وكونه في قلب النقاشات العامة، ارتأت الوزارة أن تخصص إحدى اللقاءات للغوص في ثناياه المختلفة في فضاء يعبق بالتاريخ وهو مركز الفنون والثقافة والآداب “القصر السعيد” بباردو.
وشارك في اللقاء كل من المديرة العامة للتراث شيراز سعيد ، والمدير العام للمعهد الوطني للتراث طارق البكوش ، والمديرة العامة لوكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية ربيعة بلفقيرة ، ومديرة القصر السعيد وجيدة السكوحي.
ومثل اللقاء مساحة للخوض في أبرز المهام والمشاريع التي تضطلع بها هياكل الوزارة في مجال حماية الموروث الثقافي وصونه وتثمينه بالإضافة إلى إنارة الزوايا المظلمة في هذا القطاع.
وفي هذا السياق، كشف المدير العام للمعهد الوطني للتراث طارق البكوش عن عودة ثلاثين قطعة أثرية كانت قد نُقلت من موقع زاما الأثري بولاية سليانة إلى إيطاليا لغرض الترميم، وذلك في 15 نوفمبر 2025.
ومن المقرر تنظيم معرض خاص بهذه القطع النادرة يوم 15 جانفي 2026 بمتحف باردو، على أن ينتقل لاحقًا إلى عدد من العواصم العالمية من بينها نيويورك وفيلادلفيا وباريس.
ويأتي هذا الحدث تتويجًا لاتفاقية التعاون الثنائي بين تونس وإيطاليا في مجال التراث، والتي تهدف إلى تثمين موقع زاما وإعادة ترميمه بالتعاون مع مؤسسات ثقافية كبرى، من بينها متحف الكولوسيوم في روما.
كما أعلن البكوش عن انطلاق مرحلة جديدة من مشروع ترميم قصر العبدلية، بعد إحالة الملف إلى مكتب الدراسات لإجراء تشخيص دقيق يسبق عمليات التهيئة والترميم، مؤكّدًا أن نشاط القصر لم يتوقف رغم غلق مقره الرسمي، إذ تتواصل برامجه في فضاءاته الخارجية.
وأثار اللقاء، أيضًا، مسألة إحداث الديوان الوطني للتراث، وهي فكرة تهدف إلى توحيد الجهود بين مختلف الهياكل العاملة في مجال التراث وتسهيل التنسيق الإداري والفني بينها، بما يسهم في مزيد من الحوكمة ومقاومة كل أشكال النهب والتفريط في التراث المادي.
ولئن شهد النقاش عديد الملاحظات من قبل الصحفيين في علاقة بتهيئة المواقع الأثرية وحمايتها والتسويق لها إلا أن الكل التقى عند كون الحفاظ على التراث مسؤولية وطنية جماعية.
وهذه المسؤولية ليست حكرا على الدولة فحسب بل تنسحب على المجتمع المدني، والفاعلين الثقافيين والأكاديميين والصحفيين وكل المواطنين.
وفي هذا السياق أشارت المديرة العامة لوكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية ربيعة بلفقيرة إلى حملات النظافة والصيانة في المواقع الأثرية، وجهود تثمين التراث بما يليق لتونس وتاريخها بما في ذلك رصد مبالغ مالية هامة لدعم منظومة تأمين المواقع الأثرية عبر تركيز الإنارة وكاميرات المراقبة.
وأنجزت الوكالة الجرد العام للقطع الأثرية في كامل تراب الجمهورية، الذي يشمل أكثر من مليون و380 ألف قطعة موثقة، فضلًا عن إصدار 17 كتابًا في مجال التراث، ومجلة “التراث” التي خصصت عددها الأخير لموقع زاما الأثري.
وفي إطار تثمين التراث التونسي والتسويق لعراقة اللباس ساهم “القصر السعيد” في إعداد ملفات لترشيح الجبة التونسية ولباس العروس بالمهدية لإدراجهما في قائمة التراث غير المادي للإنسانية، وفق حديث المديرة العامة للقصر السعيد وجيدة السكوحي.
كما شارك القصر في ملفات عربية مشتركة تخصّ الحناء والخيل العربي، دون نسيتن دوره كمؤسسة فكرية ومتحفية، تحتضن متحف تونس الحديثة وكرسي الفلسفة وكرسي الأنثروبولوجيا.
وفي سياق الجهود المستمرة لصون التراث وتثمينه تعمل وزارة الشؤون الثقافية على صياغة استرايجية وطنية شاملة تقوم على رؤية تشاركية تشمل جميع الأطراف المتدخلة، وفق ما أكدته المديرة العامة للتراث شيراز سعيد.
كما أكدت سعيد الدور المحوري للإعلام في التوعية والتوجيه والمساءلة في هذا المجال وهو ما ينسحب أيضا على منظومة الدعم التي مثلت محور لقاء ثالث من تنظيم وزارة الشؤون الثقافية مثل فضاء للنقاش في مسائل جدلية أو نقاط مغيبة.
الدعم في سياق الرقمنة
في تقاطع بين المالي والإداري والثقافي، قدمت الوزارة، في لقاء انتظم بالمركز الوطني للاتصال الثقافي المنصة الرقمية للتصرف في الدعم، وهي آلية تكنولوجية حديثة أطلقتها الوزارة بكلفة بلغت 462 ألف دينار.
وتهدف المنصة إلى رقمنة جميع مراحل الدعم الثقافي، من إيداع الملفات إلى إسناد الدعم ومتابعة المشاريع، بما يجعل العملية أكثر سرعة وشفافية وفاعلية.
وتُعدّ هذه المنصة فضاءً موحدًا لنشر البلاغات المتعلقة بالدعم، وتُمكّن من تتبّع كل الملفات في مختلف مراحلها، سواء من قبل الإدارة أو المستفيدين، من خلال واجهة استخدام بسيطة وسهلة، وهي متاحة باللغتين العربية والفرنسية، وتُحدّث دوريًا بكل المستجدات.
وتمكن المنصة من تبسيط الإجراءات وتسريع الآجال، فضلاً عن تمكين اللجان من العمل عن بعد، وإتاحة معطيات آنية ودقيقة تساعد على التقييم الموضوعي لنتائج الدعم الثقافي.
كما تُعتبر قاعدة بيانات وطنية تربط بين الوزارة ومختلف المؤسسات الراجعة إليها بالنظر، ما يضمن توحيد الجهود والشفافية في توزيع الموارد العمومية.
وقد مثّل إنجاز هذا المشروع تحديا كبيرًا ، إذ تطلّب حصرًا دقيقًا لكل تفاصيل وآليات الدعم السابقة قبل تحويلها إلى نظام رقمي موحد، في عملٍ جماعي شاركت فيه المندوبيات والمؤسسات الثقافية التابعة للوزارة.
وتندرج هذه المنصة ضمن سعي شامل لرقمنة الإجراءات الإدارية وتسريع التعامل مع الإدارة، لتحقيق النجاعة وتكريس الشفافية في إدارة الشأن الثقافي.
ومثل اللقاء مناسبة لتوضيح بعض النقاط الحالية من ذلك رفض دعم بعض المشاريع في الجهات مقابل منحه لمؤسسة المسرح الوطني، إذ أكد مدير هام المسرح الوطني أن من حق المؤسسات العمومية تلقي الدعم وأن اي حديث عن محسوبية ومحاباة لا أساس له من الصحة.
كما اعتبر مرابط أن المؤسسة تتمسك في حقها في تتبع كل من انخرط في حملة التشويه والسب، موضحا أن اللجنة ارتأت أن مشروع المسرح الوطني يستحق الدعم وانه لم يكن حاضرا خلال المداولات، وفق ما ينص عليه القانون.
وتبين تفاصيل اللقاءات الدورية التي تنظمها وزارة الشؤون الثقافية مع الصحفيين سعيها إلى توحيد رؤيتها وتحديث أدواتها، سواء في مجال صون التراث وتثمينه أو في مجال رقمنة الدعم الثقافي لضمان مزيد من الشفافية وتكافؤ الفرص.
ومن خلال الانفتاح على الإعلام وإشراكه في النقاشات، ومن خلال اعتماد الرقمنة والحوكمة الحديثة، تتجه الوزارة نحو نموذج ثقافي جديد يقوم على المساءلة، والمشاركة، والشفافية، والنجاعة، على أمل أن يجد طريقه، واقعا، إلى كل المجالات.