بقلم رانيا الحـمّـامي
الإهداء
إلى الباحثين على النور وسط الظلام،
إلى زارعي الحب أينما مرّوا،
إلى رعاة السلام في كل مكان،
إلى باعثي الحياة في فاقدي الأمل،
إلى أصحاب العزائم والإرادة،
إلى محاربي الوهن والضعف،
إلى كل من يرفض أن تهدمه الهزائم،
إلى من قرّر الحياة.
سالي: لن أُسَلِّم إبْني. هو رُوحي وقِطعةٌ منِّي.
بيبو : إنه ابْني كما هو ابْنك وعليْنا التَّسْليمُ أن الفَضائيين يَشْتَركون فيه مَعَنا. لقد مَنَحُونا جِيناتِهم
ووُلد تيتو لا يُشبِهُنا نحنُ البشر. غَريبٌ نُخْفِيه مُنذ وِلادَتِه. فما مَعْنى لحَيَاتِه بيْنَنَا؟ بتَسْليمِنا إيَّاه نُنْقِذُ القرية التي عمِلْنا جاهِدين لتَأسِيسِها على القِيَمِ التي أردْنا ونُنْقِذُ تيتو من الحياة الغَريبةِ التي يَعيشُها معَنا.
سالي: لن أُهْدي إبْنِي وإن كَان ثَمنُ ذلك حياتي.
ولا أضْمَنُ أن يَعيش حياةً عاديةً مع الفضائيين.
كما لا يُشْبِهُنا وهو يَحْمِلُ جِينَاتِنا فلن يُشْبِهَهُم وهو يَحْمِلُ جِيناتَهُم.
بيبو: أنه يتعذَّبُ بيْنَنَا. يصرُخُ مُنْذُ أن حطَّتْ مَركبة الفضائيين على الأرض. لا يَسْتَطِيعُ حتى التَّكلُم
والتعْبير عمّا يَشْعُرُ به. ولا أعْتقِدُ أنَّهُ يفْهَمُ كثيرًا ما يَدورُ حوْله.
سالي: يكفي أنه يَشْعُر بحبِّنا له. يَكْفي أنه يَعرِفُ إنَّنِي أمُّه ويُعانِقُني كل مرَّةٍ يَراني فيها ولا يَرْغَبُ في فراقي. ألا تَذْكُرُ دُمُوعَه عندما إلْتقى بي بعد غِيابِكُم عنِّي لمُدَّةٍ واخْتِفائِكُم في المَخبأ. ربما لا يَفْهَمُ كل ما يَدورُ حوْله لكنه يَشعرُ به.
بيبو: الأمرُ لا خِيار لنَا فيه. إنَّ ثمنَ إخفائه سيكلِّفُ أرواحا كثيرة وسيدمِّرُ القرية ويَنتَهي منْها كل أثر حياة. فالغازُ الذي أتوْا بِه مُدمِّرٌ يجعل من كل من يُلامِسُه دُخانا. أتَفْهمين هذا؟ لا قُدرَة لنا عَلى مُحارَبَتِهم.
سالي: فلْنَصْنَع أوْقِية تَحمي كل السكان من هذا الغاز.
بيبو: لقد إطَّلعْتُ على ملف سرّي قبل الإنفجار الكبير يَتحدَّثُ عن هذا الغاز. مِلف إخْتَرَقْتُه لوكالة حُروب الفضاء وحَسب البُحوث التي وَصَلُوا إليها حِينَها،
و كانت صادمة جدًّا لي، إلى دَرجةِ أنني لم أنْسها، أن الهواء الطبيعي في بعض الكواكب هُو غازٌ فتَّاكٌ يُحوِّلُ أي كائن وأي مادَّةٍ تَعْتَرِضُه على سَطْحِ الأرض إلى دُخان.
سالي: تيتو هو المَعنى لحياتي ودافعي للبَقاء. أَفيقُ صباحًا من أجله ومن أجل حمايته والعِناية به. أمضيت حياتي أتسلَّلُ خِفْيةً ليلا للعناية به وأسْرق السَّاعات لأكون جَانبه. تلك الساعات وعلى الرغم من أنها مَحْدودة كانت تَكفيني لأحْيا.
بيبو: كُنْتُ أظن أن حُبَّك لي صَادق وإنه فعلا
لا معنى للحياة بدوني. لم أكن أعْلمُ أنني لا شيء وإن دافِعَكَ للحياة هو تيتو.
سالى: بلى. أُحبّك وأعْشقك بيبو وأنت تعلم هذا
و مُتأكِّدٌ منه. حبك إختياري أما حبه فغريزي. لا مَعنى لحياتي دون تيتو. أُخيِّرُ الموت على فِقْدانه.
بيبو: أ لا نَحمِلُ نفس الغريزة؟ أ لا نُحبّه بنفس الدرجة؟ أ تعْتَقِدين أنني أُريدُ تَقديمه للفضائيين لأن أمْره لا يعنيني؟ إنني أحبه كما تُحبينَه أو ربما أكثر.
لكن أنا أعْلَمُ أن مَصْلَحته في العيش مَعهم وليس معنا.
أنا أُحبه دون أنانية أما أنت فما تَحْمِلِينَه له ليْس حُبًّا بل تَعلُّقًا وأنانية.
سالي: كيف تَتَّهِمُني بالأنانية وأنا التي إخْتَرْتُ أن لا أُنْجِب أطفالا آخرين لكي لا يَدْفَعُني إخْتِلافُه عنهم أن أحبَّهم أكثر أو أن أقترب منهم أكثر وأن لا أعْدِل. بيبو، هل أعْمَتْكَ رَغْبَتُك لِحُكم تاجوت على حب إبْنك وعلى رُؤية الحقيقة فتَتَّهٍمُني جزافا.
بيبو: بل أنت من تَتَّهمني جزافا وأنتِ تَعلمين أن كل ما أقوم به في تاجوت ليس لِحُكْمِهم بل لتَطْويرٍهم
و تطوير البشرية على أُسُسٍ سليمة، ألم يكن ذلك دافعي عندما ساهمت في الإنفجار الكبير بعد أن سيْطرَت المادة على البشر وتغيَّب كل ما هو روحي. أنانيتك أعمتك على المُهمَّة الأسْمى التي نَتواجَدُ من أجْلها. ولا يَهُمُّكِ فَنَاء القرية من أجل بقَائك وإبنك.
سالي: ليْست أنانية بل غريزة الأمُومة.
بيبو: إنها الأنانية بعيْنِها. أ لم يُقدِّم أحد المُريدين حياتَه من أجلي ومن أجْل كل سكّان تاجوت؟ أ لم يُلْهمَكِ معْنى التَّضحية من أجل هدفٍ أسْمى ومن أجل المَجموعة؟ أ لا تستحين عندما تتذكرين ما قام به؟ أ لم تكن أقرب الصديقات إليك قبل الإنفجار عنوانا للتضحية من أجل الآخرين؟
سالي: قُلْ عنِّي ما شِئْتَ ولكن لن أتَخلَّى عن إبني. أُريدُه هُنا معي.
بيبو: حسْب إشْعارِ الفضائيين فإن إبادَتِهِم لسكان تاجوت يَنْطلق عند مَطلع الشَّمس. سأحمِل تيتو قبل ذلك إليهم لنُنْقِذ القرية من الإبادة ولنَضْمن مُسْتقْبَلًا أجمل لإبْنِنا. وسأترجَّاهُم أن يأْتوا به لِزيارَتِنا بين الحين والحين. يُمْكِنُكَ قَضاءُ الليلة مَعه لتَوديعِه.
*****
دُموعُ سالي – وهي تَنْظُرُ إلى تيتو قبل توديعه الذي ربما يكون وداعًا أبديًا – تَحْمل بيبو بعيدا. تَحْمِلُه الذكريات إلى الماضي السَّحيق، إلى تاريخٍ يَعودُ إلى ما قبل الإنفجار الكبير.
مازال يَتذكَّر عودته إلى بيته مُنهكا كل يوم. يَرْتمي على كُرسي التَّدليك فتَنطلق موسيقى مُهدئة ويتحرَّك الكرسي بشكل عجيب، يَتحرّك معه جسمه كموْجة منسابة على شاطئ رملي. وكان كل يوم خميس، يستحمُّ في حوض حليب. كان يُقدِّس ذلك الطِقْس الذي يحمِلُه إلى حضارة قديمةٍ جدا، تُسمَّى الفِرعونيَّة، أثارها جَعلت بعض سُكان ذلك العَهد يَعْتقِدون وُجود حَضارات أكثر تَطورا مِنهم رغم تَطورهم الكبير. حضارةٌ يُقال أن بِها مَلكة تَسْتحم بالحليب كل يوم خميس.
و كان يَتَساءل هل كانت الحَنَفِيات في تلك الحضارة كحنفيات ذلك العهْد، يُسجِّل رقم المادة المَرغوب فيها فتَنْفَتِح الحنفية ويَنْزِل منها ما تَشْتهيه: ماء، حليب، عصير، نبيذ،…؟
و كان عادةً ما يقطَعُ حبْل أفْكارِه الروبوت الذي يُخْبِره أن عَشاءُه جاهز. فيَأمره بإعْداد حمَّام حليب. فيستجيب له الروبوت.
لكن لم يَنس أبدًا، ذلك المساء، عندما أراد الربوت مُحادثته في أمر.
حين كان يَتَناول عَشَاءه، يأتيه الروبوت ويَقترب منه قائلا: سيد بيبو ، أُريد أن أُحدِّثك في أمر قبل إعداد حمّام الحليب، هل تَسمح لي بذلك؟
بيبو: نعم. تفضَّل.
الروبوت: أُريد أن أتزوَّج.
قهقه بيبو حتى كاد أن يَخْتَنِق ، ثم قال: أعْذُرْني.
و لماذا تُريد الزَّواج؟
الروبوت: ملَلْتُ الوِحْدة.
بيبو: يمكنك الاتصال عن بعد بروبوت آخر
و الإستئناس به عن بعد. لماذا الزواج؟
الروبوت: لقد إسْتمَرَّ ذلك لسنواتٍ والآن نُريد أن نَكُونَ معًا.
بيبو: سأنْظُر في الأمر لاحِقًا. كما عليْك أن تُخبِرَني من صَنَعه وما هي كل البرْمَجِيَات التي يَعمَلُ بها. أعِدَّ لي الآن حمَّام الحليب.
الزَّواج ذلك الإرْتِباطُ العجيب الذي يجْمَع روحَيْن تَتَنَاغم ذبْذَبَاتهما فيُقَرِّرَان مُواصَلة رِحْلة الأرض معا ، فيكون إجْتِمَاعُهما سكنًا وطمأنينة وأمانًا لكليْهما وحبًّا يُوَلِّد طاقةً عجيبةً وقُوَّةً إضافية تَدْفعُهما لخَوْض رِسالتهما بشكْلٍ أجمل وأرقْى وأكْثر سلاسة وعُمْقًا وسُهولة. الزَّواج مَصدر التَّطور الروحي لشخْصَيْن بما تَحْمله الرحلة من صُعود ونُزول وأيامٍ مُمطرة وأُخرى مُشْمسة، فيتمتَّعان تارة بأزهارِ الشِّتاء والخريف وطورًا بأزهارِ الصيْف والربيع. لكن أن يَجمع الزَّواج بين آلتيْن وقع بَرْمَجَتُهما فالأمر بالنسبة لبيبو يسْتدعي مَزيد التأمل والتَّخْمين في ما يُمكن أن تَحْمِله الروبوتات من مُفاجئات. وكان السُّؤال الذي حادَث به نفْسَه هل أن الآلة هي جَماد أم أن ما تَحمِله من طاقةٍ وذبذبات يُمْكن أن يتطوَّر في مضاهاة لصيقةٍ للإنسان تصلُ للزواج. إبتسمَ بيبو وهو يتخيَّل زواج روبوته لكن مُحادَثة ذلك المساء كانت من الدَّوافع لقُبوله مُهمة الإنفجار الكبير.
و إن كان بيبو قبْل الإنفجار الكبير يَعمَل في أكبَر شركة تِكْنولوجيا على سَطح الأرْض وكان من أهْداف الشركة التي عمِل بها ومن أوْلوِياتِها بِناء علاقات مع سُكان الكواكب الأخْرى، فهو لم يَكُن من المُسانِدِين للتَّطَوُر التِّكْنُولوجي العَمِيق.
وقد أقامَت شركته على أسْطُحِ الكواكب المُجاورة لكوكب الأرض مَخَابِر. وأكدَّت المَعلومات المُتَأتيَّة من تلك المَخابِر تَواجُد سكَّان بكواكب المَجرَّات الأُخرى يُشابِهون الأرْضيين وذَهبت بعض الأبْحاث إلى أن هذا التَّشابه هو تَماثُل كامِل ومُتطابِق لسُكَّان الأرض. وبلغ التَّطور في ذلك العَهْد إعْدَاد مَرْكَبة فَضائيّة تَحُطُّ فوق الشَّمس ثم تُكْمِلُ رِحْلتها لتَدْخل المَجرَّة المُجاورة لتُؤكِّد نتائِج بُحوثُهم أو تَنْفِيها.
* على امتداد سنة 2025 ننشر رواية "الفاضرضي"، في أجزاء بصفة دورية وذلك بالاتفاق مع الكاتبة ومؤلفة هذاالعمل رانيا الحمّامي، التي تمتلك حصريا حقوق النشر. وقد تم تقديم هذه الرواية من قبل الباحث والدكتور توفيق بن عامر، رئيس الجمعية الدولية للمسلمين القرآنيين. لمعرفة أكثر تفاصيل عن كاتبة الرواية يمكن زيارة موقع www.raniahammami.tn