“الشيطان والدراجة” فيلم لبناني للمخرجة شارون حكيم يروي حكاية “ياسما” فتاة ذات الـ13 سنة تتحضّر لطقوس المناولة الأولى أو القربانة الأولى لكن السبل تمضي بها في النهاية اإلى غير طريق الكنيسة.
“ياسما” الفتاة التي تظهر بملامح خام وإطلالة تقف في منطقة وسطى بين البراءة والرغبة وبين شقاوة الأطفال وفضول المراهقين لم تعانق سر القربانة المقدسة لما انشغلت بسر مقعد الدراجة.
والفيلم الذي حاز على جائزة أفضل فيلم عربي قصير ضمن مسابقة الأفلام القصيرة في مهرجان الجونة السينمائي يقترح على المتفرج انغماسا في مسارات طفلة تتعرف على العالم من حولها وسط أكوام من الوصايا والقيود.
بين ثنايا الهوية والإيمان والرغبة تتحرك الأحداث وفق إيقاع متسارع يحاكي قهقهات الأطفال ومداد خطواتهم وهم يركضون وتزين الكوميديا قساوة واقع يعيش على قانون قوالب السكر.
على إيقاع قصة كتبتها اللبنانية تمارا سعادة وأوغلت في منطقة شائكة بنظرة نقدية من خلال حكاية طفلة لم تتحد مع جسد المسيح ودمه وكانت مارقة في نظر الجميع من حولها إلا أنها اتحدت مع رغبتها.
الرغبة الأولى لاستكشاف الجسد كانت تحرك “ياسما” وهي تختال على دراجتها ومنها تفرعت الحيلة الأولى للقاء الميكانيكي الذي راود خيالها في مشهدية تتشابك فيها المشاعر المتناقضة.
وبين معالم وجه الفتاة التي تنصهر فيها البراءة والمداراة مع التلهف والرجاء، تتعقد الحكاية حينما تغادر خيالها وتبثها إلى صديقاتها وتغدو دراجتها مزارا تهتز على وقعه أحلام الفتيات.
حكاية الدراجة ذاعت في المنطقة وصار مقعدها سكنا للشيطان من منظور أهل كل الفتيات اللاتي امتطينها وظلت “ياسما” طريقها إلى الكنيسة لكنها في المقابل حصلت على قربانة شوكولاته.
الوجه الأول للتمرد والصدام الأول مع الأهل والمجتمع وسلطة الدين والبحث عن ميناء سلام في وجه غريب، تفاصيل من الفيلم الملغوم بالمفارقات والثنائيات والمحبوك بأسلوب يجعله راسخا في الذهن.
مسألة الهوية واختلاف الأديان تتبدى في الأحداث وتعمق معاناة الطفلة في المجتمع فهي تحمل وزر كون والديها من ديانتين مختلفتين وترزح دائما تحت ضغط والدتها المسلمة.
الأم المختلفة التي تطمس هويتها لتتماهى في مجتمع لا يشبهها وتتظاهر بكل ما يعجبه تمارس كل أشكال الوصاية على ابنتها لتغذي مركبات النقص التي استبدت وهي تسير مع تيار لا يخاطبها.
وفيما يطغى النفس الكوميدي على الفيلم تطل التراجيديا برأسها من بين التفاصيل وتتخفى أحيانا وراء نظرة أو إيماءة ولكنها تتبدّى في صرخة وصفعة أو في خيوط لهب تصاعدت حين حرق الدراجة.
وعلى إيقاع الهوية المتخبطة يتجلى الخوف من نظرة الآخر ومحاولة التماهي مع الاغلبية السابقة خشية النبذ والتخلي أو الاتهام والتذنيب مما يخلق شروخا في المجتمع وندبات صعبة الاندمال.
وعلى أعتاب الديني المقدس الذي أعرضت عنه “ياسما” كان كل التفكير منكبا على نظرة الآخرين إلى العائلة وعلى فشل محاولات التغطية على أن الأم من عائلة أخرى وأما ما تمر به الطفلة فلا معنى له.
لا حوار ولا نقاش ولا سعي لفهم التغيرات الفزيولوجية والنفسية التي تمر بها الفتاة، هي فقط الهستيريا والصراخ على أعتاب ما اعتبرته الأم عارا حينما أغلقت الكنيسة بابها في وجه ابنتها.
دون أدنى محاولة لفهم الأسباب الكامنة وراء سلوكات الفتاة ودون الاستماع إليها لتفكيك المسألة وتجاوزها دون مخلفات ودون فتح الباب للتراكمات، اختارت العائلة أسهل الحلول وهو التخلص من الدراجة.
وبهذا الخيار السهل، زادت في تمرد الطفلة التي لم تنقطع بها سبل الخيال بل ترسخت لما وجدت من يُصغي إليها بلا أحكام أو صراخ أو سيل من الكلمات المفرغة من المعنى فواصلت المضي في تمردها بخطى واثقة.
وفيما تحاول الفتاة الصغيرة أن تفهم نفسها تراوح الكاميرا بين ملامحها الشرقية وبين وجه العذراء وبين معالم الكنيسة المغلقة على طقوسها والطبيعة المنفتحة على كل الاحتمالات، وتمضي المخرجة في مساءلة المجتمعات.
ومنذ عنوانه يضعنا الفيلم في مواجهة بين مفردتي الدراجة وما يرتبط بها من لهو ولعب وسقوط وطفولة وصبا وما بعدهما والشيطان وما يرتبط به من إثم وخطيئة وعقاب وشر.
ومن هذه الثنائية تتولد ثنائيات أخرى تتهافت تباعا فيما تظهر عناصر الفيلم من سيناريو وكاستينغ وأداء وموسيقى وصور متجانسة متناغمة تنهل من موضوع اكتشاف الذات وتشكل الملامح الأولى لشخصية الفرد.