في فيلمها التسجيلي “50 متر”، الذي عُرض ضمن المسابقة الرسمية للأفلام الوثائقية في مهرجان الجونة السينمائي، تمضي المخرجة يمنى الخطيب في دروب ذاكرتها الشخصية.
وعلى إيقاع حواراتها مع والدها تتمعن في مضيها وتتعيد ترتيب المشاهد القديمة لتستطلع ما خفي من ملامحها ويتوشح حوض للسباحة الذي نلتقي عنده أغلب المشاهد بالرمزية.
داخل حوض سباحة بطول خمسين مترًا، حيث يتدرّب رجال تجاوزوا السبعين على تمارين الأيروبيك المائية، تبدأ الحكاية ويبدو المكان في البدء فضاء رياضيا عاديا، وما تلبث أن تطفو من تحته سطحه أسئلة أعمق وتلقي يمنى بكل الأجساد في قلب المعنى.
عن الشيخوخة، عن الجسد الذي يستعيد طفولته في الماء، وعن المسافة الفاصلة بين الأب والابنة حين يحاولان العبور نحو بعضهما البعض بعد صمتٍ طويل يتحدث الفيلم.
إلى أرشيف والدها ترجع يمنى لتطالع مقاطع مصوّرة لها ولإخوتها وهم أطفال، يحتفلون بأعياد الميلاد، يركضون، يسبحون، يضحكون أمام عدسة الأب، ذكريات محمّلة بدفء غابر، لكنها أيضًا تحمل أثر الغياب.
الأرشيف في “50 متر”، ذاكرة عائلية تسعى يمنى إلى تفكيكها، ولكنه أيضا اللغة التي كان الأب يعتمدها للتعبير حين لم يكن يعرف كيف ينظم الكلمات للحديث، وبين الماضي الذي صوره الأب والحاضر الذي تصوره يمنى، تنشأ محاورة بصرية.
وفيما تنتقل الكاميرا من يده إلى يدها، تتجلى المراوحة في الرؤى والتمثلات من نظرة الأب التي تؤطر أبناءه في طفولتهم إلى نظرة الابنة التي تؤطر أباها في شيخوخته، وبينهما محاولة لتقليص المسافة.
صورها واخوتها في الطفولة، عند أعياد الميلاد، في لحظات اللعب، في تمارين التعبير الجسماني تتحول شيئا فشيئا من فيديوهات عائلية مألوفة إلى حوار مؤجل بين أبٍ وابنته وتتحول الكاميرا إلى يد الابنة لتتواجه العدستان.
الأب هنا ليس فقط الشخصية التي صوّرها الماضي، بل المرآة التي ترى فيها يمنى ملامحها، وحين تصوّره اليوم، فإنها لا تُصوّر وجهه بقدر ما تُصوّر هشاشتها أمامه، وتسأله بصوتٍ خفيض عن الأحلام التي تخلّى عنها.
الفيلم في جوهره ليس عن الرياضة أو الشيخوخة أو الأرشيف، بل عن الاعتراف المتبادل بين جيلين لذلك تختار يمنى أن تلقي الكاميرا قريبة من التفاصيل الصغيرة مشدودة إليها لتخلق حميمية.
والماء في حوض السباحة “50 متر” ، كيان رمزي متحوّل على أعتابه تحاول يمنى نفسها من جديد وتعيد صياغة ما يربطها بوالدها وتنسج التفاصيل بخيوط من الحنين والقلق وتروي أحلامها والمعلقة والمتروكة.
عن الأمومة والبنوة والأبوة ونوبات الفزع، تتحدث يمنى ولا تأتي هذه المواضيع كاعترافات عابرة، بل كأجزاء من خريطة أوسع للمواجهة التي تتخذ وجوها كثيرا تنتهي ألى حوار متكافئ.
من الناحية السينمائية، يعتمد “50 متر” على بنية هجينة بين التسجيل الذاتي والكتابة التأملية، إذ تُعيد يمنى كتابة مشاهد انطلاقه من أرشيف الفيديوهات والصور التي التقطها والدها وتؤلف تعليقاتها الصوتية لترتب الفوضى في ذهنها.
والمونتاج عندها يتجاوز التقنية ليحاور الزمن وتنظم أفكارها وخياراتها وتعري هواجسها وحيرتها وتهرع إلى النظرات الصامتة في ذروة التناظر بيت تسجيلات الماضي وتسجيلات الحاضر.
في الإرث العاطفي الذي نحمله من آبائنا، والصورة التي نعيد بها بناء أنفسنا بعد أن نصوّرهم ينغمس “50 متر” الذي يتأمل في المسافة بين الكاميرا والعاطفة، بين الماء والزمن، بين القول والكتمان انطلاقا من علاقة أب بابنته.
إنه فيلم أشبه بالسباحة في ذاكرةٍ غير مستقرة: مع جاوزة كل متر نقترب أكثر من وجوهنا القديمة، نواجهها ونخسر جزءًا من ثقلنا لنطفو أخيرًا على السطح حيث غالبا ما تتغير المعادلات.
وفيه لا تكتفي يمنى الخطيب بتصوير حوض سباحة بطول خمسين مترًا، بل تحوّله إلى مجاز بصري للحياة نفسها، في المدى المائي الذي يتنفس بالذكريات، تسبح المخرجة صوب والدها، لا لتلتقيه فحسب، بل لتواجه كل ما فاتها قوله.
في “50 متر”، تتحوّل السينما إلى علاج، وتربت الكاميرا على الذاكرة وتتحد الابنة مع المخرجة لتخلق علاقة جديدة مع الشخصية الرئيسية في فيلمها والدها، علاقة متحررة مم الأدوار العائلية.
نحو والدها تتقدم يمنى بإيقاع السباحة لتواجه قلقها المزمن، حركة للأمام وأخرى للتوازن، شهيق وهدوء، اقتراب وانسحاب ويحمل كل متر من الخمسين مترًا ثقل السنين الفائتة، وتغدو كل إيماءة مقاومة للصمت وتتشكل ملامح “50 متر” تباعا.