ليس البيت في فيلم ميساء ليهيذب الذي عرض في مهرجان الجونة السينمائي محض جدران وسقف، بل ذاكرة تسكنها امرأة تحاول أن تخرج من ظلّها، أن تُصفي وجعها من حنينٍ أزلي، وأن تُعيد ترتيب تفاصيل حبٍّ تسرّب منها وإليها كما يتسرّب الضوء من شقّ نافذةٍ مغلقة.
في فيلمها القصير “بيت العروسة”، الذي يمتد على اثنتي عشرة دقيقة، تروي ليهيذب حكاية مرأةٍ مثقلةٍ بالهجران، تبحث في زوايا بيتها عن طريق، بين ما تراه عيناها وما يخلقه خيالها، بين ما كان وما لم يحدث أبدًا.
البيت الذي نراه في الفيلم ليس مسكنا بل مرآة تُعيد إليها وجعها الذي لفظته على شكل دفعات تفجرت مع أغنية تغنيها النساء في الأعراس، وكلّ ركنٍ فيه يستحضر غيابًا، وكلّ ظلٍّ يحمل وجهًا، وكلّ التفاصيل تحيل إلى الأحلام التي لم تكتمل.
بين الخفة والاضطراب تتحرك الكاميرا تستطلع كنه العيون حينا وتقتفي أثر الاعترافات وتمنح الصمت نبرة موسيقية تتعانق مع مع أغان من المدونة الموسيقية التونسية لتحجب الوجع الساكن بين الأركان وتتجلى نظرة الفيلم النسوية.
في هذا البيت المسكون بالفراغ، تتقاطع الذاكرة مع الخيال، ويتحوّل الحب إلى حالة سريالية، يمتزج فيها الواقع بالوهم، حتى يلتبس الأمر على المشاهد ويترنح بين ما يحدث فعلاً وما تتخيله البطلة كي تظلّ على قيد الإحساس.
في كلّ لقطةٍ، تتسلّل حدود الحلم إلى اليومي، فتبدو الأشياء مألوفةً وغريبة في الوقت نفسه ويتجاوز البوح انعكاس المرآة ، وتنفتح الأبواب على الماضي بدل الخارج، وتصبح ملابس العروس حلة للانتظار.
مريم الفرجاني تجسّد هذه الأنثى بملامح مازالت تقاوم النسيان بالحلم، وتخفي خلف هدوئها صخبا داخليا من الأسئلة والذكريات وصمت يختون كل الأقوال المؤجلة، فيما يظهر منصور قليلة، وكل الرجال من حولها ظلالا للحنين وصدى حضور لا يختفي وكأنه تجسيد للغياب والحب المتواري.
والحبّ في “بيت العروسة” امتحان للذاكرة تنشد الوصال وتحاول ترميم ما تهدم في الداخل وتخلق فيه البطلة سببا لتحيا ولو عبر الوهم، إنه يستعير وجهه من الحلم، وسياقه من اللازمان، فلا ندري إن كنا أمام لقاءٍ فعليّ أم أمام لحظة استرجاعٍ حارقة.
وبين الضوء المتسرب عبر التفاصيل كزائر قديم وامتداده الذي يلامس الحيطان بحنو، يتخذ غير اللفظي إيقاعا خاصا يشبه صوت الأنفاس المتقطّعة لمن يحاول أن يتذكّر دون أن ينكسر.
“بيت العروسة” استعارة عن امرأةٍ تستعيد ما سُرق منها على مهل وعن البياض الذي يخفي في داخله رمادا، عن الفرح الذي يحوك جراحه بخيوطٍ من التظاهر، وعن الحنين الذي يظلّ يقيم فينا كضوءٍ خافتٍ لا يتلاشى.
في اثنتي عشرة دقيقة فقط، تُصوّر ليهيذب حالة إنسانية مكتملة، لا تحتاج إلى حدثٍ كبير لتروي قصة، لأنّ الحكاية كلها تختبئ في النظرات، في الخطى المترددة، في ارتعاشة الأصابع وهي تلامس تفاصيل صارت أثقل من الذاكرة.
في النهاية، لا نعرف إن كانت البطلة قد تجاوزت سوريالية الغياب لكننا نعرف أن شيئًا تحرّك في داخلها، وأنها لم تعد المرأة نفسها التي بدأت بها الحكاية، لقد اعترفت بوجعها وواجهته وربما صالحته، وهذا في حد ذاته خلاص.