في القاهرة، حيث تتناثر القصص بين امتداد النيل وصدى التاريخ، انطلقت الدورة السادسة والأربعون من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي حيث صارت السينما مرآة وطنٍ ونبض حضارة.
بعد أن علا السلام الوطني، اعتلى الفنان حسين فهمي الركح حاملا في محياه بعضل من ذاكرة السينما، وعابرا بين زمنين ماضي سينما خالدة التي كانت، وحاضرها الذي يُعيد ترميم الدرر.
“مصر تعيد صياغة حاضرها بخطوات أبنائها”، قال وهو يتحدث باسم وطن يكتب قصصه من جديد بلغة الضوء.
في كلمته، تغنى حسين فهمي بالثقافة قوة ناعمة تعيد بناء الإنسانية واستحضر ما مر به العالم العربي من انكسارات، وذكر دعم مصر للفلسطينيين والسودانيين واللبنانيين وتمسكها بالقضية الفلسطينية.
ومن جهته، مد وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو، جسرا بين السينما والتاريخ، ونسج في حديثه عن “توت عنخ آمون” والطفل الذي كان سببًا في اكتشاف مقبرته، خيطا بين تلك اللحظة القديمة ولحظة الميلاد الجديد في المتحف المصري الكبير.
لم يكن المتحف بالنسبة له مجرد صرحٍ معماري، بل رمزًا لخلود الصورة، ومجازًا عن السينما نفسها “صرح يعيد تعريف معنى الخلود، ويفتح أمام الفن أفقًا جديدًا للإلهام”.
تلك كانت نقطة التماس بين الماضي والخيال، بين الحجر والعدسة، فمنذ قرنٍ مضى ثمة مصريٌ هبط إلى باطن الأرض ليكتشف كنزًا غير وجه التاريخ، تماما كما ترصد الكاميرا حكايات تغير وجه الإنسانية.
وفي السياق ذاته، بدت فكرة ترميم الأفلام التي تحدث عنها حسين فهمي أكثر من مشروع تقني؛ بدت استعادةً للروح، وتحصين الذاكرة وولادة أخرى من رحم الزمن، ولبنة أخرى تنضاف إلى هوية لا تتقادم.
ولم يكن الحفل مجرد كلمات، بل لحظات من التكريم حملت في طياتها معنى الامتنان والوفاء من المخرج التركي نوري بيلجي جيلان الذي تسلّم “الهرم الذهبي لإنجاز العمر” لما بصمة بارزة على خريطة السينما المستقلة وقدم على مدار ثلاثة عقود، أعمالا عميقة تعكس القلق الإنساني وتوظّف الصورة السينمائية ببراعة شاعرية.
وفي تكريمه بجائزة فاتن حمامة للتميّز بدا الممثل المصري خالد النبوي وهو يذكر يوسف شاهين وصلاح أبوسيف ومحمد عبد العزيز كمن يرد التحية لمن صاغوا الحلم قبله.
“كن مختلفًا ولو صرت وحيدًا” قالها كمن يوجّه وصية للجيل الجديد، ويعيد الفن إلى أصله تمرّد جميل ضد العادي والسطحي.
وكمن يعود إلى بيته الأول صعد المخرج المصري محمد عبد العزيز على الركح، وكانت كلماته بسيطة وصادقة “السينما كلما أعطيتها أعطتك أضعاف ما تعطيها”، كلمات تختزل جوهر العلاقة بين الفنان والفن والحياة : عطاء لا ينتظر المقابل، بل يصنع المعنى.
والافتتاح كان خاليا من البهرج لكنه شكل لوحة يتقاطع فيها الفن بالتاريخ والذاكرة بالحلم ، في لحظةٍ تذكّرنا أن الفن هو اللغة الوحيدة التي لم تَفقد معناها بعد فيما تعالت الموسيقى الالكترونية وعانيت النغمات الفرعونية وعانيت الأهرامات المنتصبة على الشاشة الخلفية.
من كلمات حسين فهمي وحنين خالد النبوي، إلى إشارات الوزير الفلسفية عن المتحف والخلود، بدا الحفل كأنّه إعلانٌ جماعي بأن “الإنسان” هو البطل، وأن للسينما المصرية، تاريخ قادر على استدرار الضوء في كل زمن.
ومن بين تفاصيل الافتتاح تسللت لحظة صمتٍ مؤثرة، حين خفَّ الضوء قليلا وتوشحت الشاشة بصور الراحلين، وجوهٌ خلدتها الشاشات والذاكرة، غابت عن الحياة لكنها لم تغب عن السينما.
نبيل الحلفاوي، وسميحة أيوب، ولطفي لبيب، وسليمان عيد، سامح عبد العزيز، وتيمور تيمور، وأحمد عبد الله أطلوا وكأنهم عائدون عبر الضوء ليذكّروا بأن الفن لا يموت.