القاهرة/ بالنسبة للمخرج ثامر السعيد، مؤسس سيماتك، الترميم السينمائي ليس مجرد عملية تقنية لإصلاح الفيلم القديم أو تحسين جودة الصورة، بل هو رحلة استكشاف للزمن والذاكرة والجمالية السينمائية.
في حديثه عن الترميم الرقمي، خلال مشاركته في الجلسة النقاشية “الترميم الرقمي: إحياء التراث البصري للسينما العربية”، يؤكد السعيد أن الهدف ليس الحفاظ على الفيلم كمقتطف تاريخي جامد، بل إعادة إحياء الروح التي ولد بها الفيلم، مع احترام السياق التاريخي والجمالي الذي أنتج فيه.
من هذا المنظور، يصبح الترميم إبداعًا في ذاته، فهو لا يقتصر على أدوات التكنولوجيا، بل يتطلب فهمًا دقيقًا للغرض الذي أراده صانع الفيلم، والتأثير الذي أراده أن يتركه على الجمهور
التكنولوجيا هنا وسيلة لإعادة تجربة الفيلم بطريقة تسمح للأجيال الجديدة بأن تشعر بنفس اللحظة التي عاشها الجمهور الأصلي، بنفس الإحساس، وبنفس التمثلات والجماليات.
المتأمل في حديث السعيد يلاحظ نظرته الفلسفية لعملية الترميم التي تبحث في معنى الصورة وصوتها وإحساسها، والإيقاعها، والنبرة، وبالتوازن بين القديم والحديث وتحترم الزمن.
فالترميم لا يغيّر اللحظة الأصلية، بل يسعى للحفاظ على نغمتها الخاصة، حتى وإن لم تتوفر الأدوات القديمة وهنا يظهر التحدي الأساسي: كيف نحافظ على روح الفيلم الأصلي في ظل غياب الأدوات التقنية القديمة؟
في فلسفة السعيد، الترميم الرقمي هو جسر بين الماضي والحاضر والمستقبل، هو ليس مجرد أرشفة، بل إعادة كتابة تاريخ بصري وتمنح الفيلم العتيق حياة تمكنه من التواصل مع الجمهور المعاصر، دون أن يفقد هويته.
هذا المفهوم يجعل من الترميم عملاً إبداعيًا وإنسانيًا في الوقت نفسه، لأنه يستدعي حساسية تجاه الزمن، وجماليات الصورة، والنية الأصلية لصانع الفيلم.
كما يرى السعيد أن الترميم هو مسؤولية ثقافية وأخلاقية تجاه السينما العربية، فهي ذاكرة جماعية،وكل فيلم يتم ترميمه ليس مجرد قطعة من الماضي، بل دعوة للتأمل في التاريخ السينمائي، وفي الأساليب التعبيرية، وفي الروح الفنية.
وفلسفة ترميم الأفلام لدى تامر السعيد تقوم على أربعة عناصر رئيسية:
1. الوفاء لرؤية صانع الفيلم: فهم ما أراد المخرج أن يقدمه، وإعادة تقديمه بروح العصر.
2. الحفاظ على اللحظة التاريخية: احترام الزمن الذي أنتج فيه الفيلم وجمالياته الخاصة.
3. التوازن بين القديم والحديث: استخدام التكنولوجيا الحديثة كأداة، للحفاظ على روح الفيلم.
4. المسؤولية الثقافية: الترميم كجسر للذاكرة البصرية، يربط بين الماضي والحاضر، ويضمن انتقال الفن للأجيال القادمة.
بهذه الرؤية، يتخطى الترميم الرقمي العملية التقنية ليصبح فن استعادة الروح، وإعادة ولادة لحظة سينمائية كانت ستختفي لولا العناية الدقيقة التي يوليها المبدعون لها، وهو بالتالي حوار بين الزمن والإنسانية والجمالية.
ويشارك في الجلسة كل من رئيس المهرجان حسين فهمي، والمخرج ومؤسسة سيماتك ثامر السعيد، وحسين الصواف عن جمعية أفلام جوسلين صعب وشولت شتراتهاوس رئيسة منتدى البرلينالي الممتد، فيما تدير الحوار المخرجة ماجي مرجان.
وتطرقت الندوة إلى أهمية حفظ التراث السينمائي العربي من خلال تقنيات الترميم الرقمي الحديثة، وكيفية إحياء الأفلام القديمة وصونها من التلف والاندثار، إضافة إلى دور المؤسسات الثقافية والإنتاجية في دعم مشاريع الأرشفة الرقمية وتطوير الوعي بأهمية الحفاظ على الذاكرة البصرية للسينما العربية.