إلى ركح يضج بالأسئلة تحملنا المخرجة وفاء الطبوبي في مسرحية “الهاربات ” حيث تتشكل تجربة تبني معمارها الدرامي من الشقوق التي تتسرّب منها الروح حين تفقد يقينها.
“الهاربات” عمل يتجاوز الحكاية نحو فضاء رمزيّ يستدعي المتلقي شريكا في التأويل، لا مجرّد متفرّج يقتفي أثر الشخصيات على إيقاع حدث بسيط حدّ التلاشي يتجلى في مجموعة تنتظر شيئاً لن يأتي.
لكنّ هذا البسيط يتحول، بين يدي الطبوبي، إلى مختبر للمعنى، وساحة مواجهة بين الإنسان ونفسه، بين الخوف والرغبة، بين الماضي الذي لا يهدأ والمستقبل المراوغ.
على قارعة الانتظار يتقاطع خمس نساء ورجل في مساحة ضيّقة، أشبه بعريشة تنتظر مطرا لا يأتي، يتقاسمون الغربة داخل يوم يبدو عاديا حدّ الخرافة، لكنّ عادِيّته تصبح بابا للشرود والانكسار.
مسرحية “الهاربات” المشاركة في المسابقة الرسمية لأيام قرطاج المسرحية، حكاية تتخطى الترقب الذي يعاند الزمن، إلى اقتراح مسرحيّ يفتّت فكرة الاعتياد، ويعيد بناء العلاقة بين الفرد والعالم خارج أي يقين.
فالطبوبي، التي خبرت التفاصيل الدقيقة في اشتغالها على الجسد الجمعي في عروض سابقة، تعود إلى هشاشة الإنسان حين يسقط عنه السرد الجمعي ولا يبقى منه سوى صدى خطوات تبحث عن اتجاه.
حينما يتحوّل العاديّ إلى سؤال فلسفي
من نقطة خادعة ينطلق العرض، يوم عادي لكن العاديّ يتحول على الركح إلى خدعة جمالية، ويحاكي أكثر ما نخافه حين يتصدّع فجأة، ومن الشقوق يوغل إلى عمق التجربة الإنسانية حيث ينتظر الآخرون ثم يغادرون ويحدث كل شيء كما ينبغي، إلا الستة المختارون يظلون كصرخة مكتومة لا تجد طريقها إلى الأفق.
و”الهاربات” تنتزع هذه العادية من بُعدها الواقعي وتلقي بها في فضاء تجريديّ، ليتحوّل اليوم العادي إلى يوم فارق، والانتظار إلى حالة عبور غير قابلة للحسم، وبين لحظة وأخرى، يتحوّل الانتظار إلى مرآة لخيبات المنتظرين الأولى، لجراحهم العالقة، لخطواتهم التي ماعادت تعرف كيف تستقيم.
ومن تحصنوا بالانتظار ليسوا مجانين ولا حالمين ولا ثوار، إنهم أناس عاديون وجدوا أنفسهم في مواجهة سؤال متشعب عن العودة والسير في طرق ماعادت تتقاطع مع إيمانهم.
بكل بساطة، هم لا يعودون أدراجعم لأن العودة ليست خيارا متاحا لمن جُرّدت أرواحهم من عادة الرجوع، فالهروب، في قاموس الطبوبي، ليس حركة في الاتجاه المعاكس، بل هو تفكيك لمعنى الطريق ذاته.
وفيما ينهار زمن الحدث وتصبح اللحظة معلّقة بين “الانتظار” و”اللاجدوى”، يقترح العرض قراءة للوجود من زاوية الشك والارتباك
ستّ غرباء… وجسد واحد ينهض من الداخل
النسيج الدرامي في “الهاربات” يتوزّع على ستّ شخصيات تؤديها فاطمة بن سعيدان، ومنيرة الزكراوي، ولبنى نعمان، وأميمة البحري، وصبرين عمر، وأسامة الحنايني، ورغم أنّ النص لا يمنحهم خلفيات تفصيلية، فإن الجسد، لا السيرة، هو الذي يعرّف كل شخصية.
فاطمة بن سعيدان تقدّم امرأة تحمل الحياة على كتفيها، بصوتٍ يشقّ الصمت مثل سكين رفيعة فيما تخط منيرة الزكراوي غضب العالم في حنجرتها وتهب لبنى نعمان دورها طاقة هشاشة تتكئ على مخزون موسيقي داخلي.
وبينما تشكل أميمة البحري وصبرين عمر ثنائيّاً يحرّك الفراغ، يمثل أسامة الحنايني نقطة الارتباك التي تفجّر الأسئلة بشأن ما يفعله رجل في فضاء نسائيّ مشبع بالخوف.
وفي هذه التعددية، تنجح الطبوبي في خلق جسد جماعيّ، ينهض ويتكسّر، يتقارب ويتنافر، لتغدو كل حركة عتبة نحو معنى جديد، وكل سكون صرخة مؤجلة وتتشكل لغة للهاربين الذين لم يبارحوا أماكنهم لكنهم تحركوا في دواخلهم آلاف المرات.
سينوغرافيا الانتظار… ضيقٌ يفتح على هاوية
في سينوغرافيا “الهاربات” تظهر خبرة وفاء الطبوبي في خلق فضاءات تتكثّف فيها الدلالات دون ازدحام بصري، فالمساحة ضيّقة، لكنها ليست سجناً، والعتمة كثيفة، لكنها ليست موتا، والمكان هشّ، لكنه ليس عبثيا
والإضاءة التي أوجدها فيصل صالح تعمل كعينٍ ثالثة للمشهد، تلمع فجأة كخوف قديم، وتخفت كذاكرة لا تأبى الانكشاف، وتعود لتصنع فجوات صغيرة تتيح للأجساد أن تتنفس.
أما موسيقى هاني بلحمادي فتجرّ الشخصيات نحو أعماقها وهي تتحرك بين الجرح والرجاء، بين البوح المكتوم وقسوته، وتأتي الملابس التي صممها غسان دويسة لتضيف طبقة دلالية أخرى بما تمثله من امتداد للجسد، وما تحمله من آثار الحياة.
البنية الدراماتورجية… مسرح يُدار من الداخل
“الهاربات” يفاجئ جمهوره ببنية غير كلاسيكية، لا بداية واضحة، ولا حبكة ترتفع ثم تنكسر، ولا نهاية تُغلق الدوائر على وقع اهتزاز داخليّ يترسّب في وجدان المشاهد حيث الانتظار حالة وجودية وفضاء يتساوى فيه الخوف والرجاء، واللحظة التي يفقد فيها الزمن شكله.
كل شيء يحدث على الحافة، وكل معنى يُبنى من الشقوق، إذ تشتغل الطبوبي على تفكيك السرد، وقد يبدو العرض مشتتا، لكنّ هذا التشتت مقصود إذ أنه يعكس تشظّي الشخصيات نفسها، فالنساء الخمس لا يجمعهن مصير واحد، ولا حلم واحد، ولا لغة واحدة، ما يجمعهن هو الضياع.
والطبوبي لا تعطي تفسيرات بل تزعزع اليقين وتجعل المشاهد جزءا من النص فيصبح العرض منطقة مفتوحة يكتب فيها كل مشاهد نهايته الخاصة، ويجد هروبه الخاص، ويتسرّب الشكّ إلى كل شيء، شكّ في الوجود، في العدم، في الطريق، في العودة، في الغياب. ثم يطلّ السؤال المربك: ماذا بعد؟
ومع ذلك، فإنّ هذه الـ”بعد” لا تأتي، أو ربما تأتي على هيئة منعطف داخليّ يجعل الشخصيات تعود إلى ذواتها لا إلى بيوتها وكأنها تهرب من نسخها القديمة، تغير اتجاه الخطوة أملا في تغيير الطريق.
المسرح فضاء للبحث عن المعنى
الهروب في عرض “الهاربات” ليس فعلاً جغرافيا، بل انفعالات داخلية، إنه هروب من الأعمار التي ثقلت، من الخيارات العالقة، من الأيام التي تشبه بعضها، من الخوف الكامن في الزوايا، والانتظار، في رمزيته المسرحية، هو الوجه الآخر للهروب.
ننتظر لأننا نهرب من اتخاذ القرار، ونهرب لأننا نخاف من أن نخطو خطوة تعانق المجهول لكن الطبوبي تجعل من الهروب بحثا عن المعنى وتقدمه كحركة داخلية نحو احتمال آخر للوجود.
الشخصيات تهرب من ماضيها، من حاضرها، من يقينها، وربما من نفسها، لكنها تهرب أيضا نحو شيء ما، حتى وهي تجهله، نحو مساحة أوسع، نحو خيال يسمح لها بأن تجرّب، أن تتنفس، أن ترتجف دون خوف.
ومنذ سنوات، تشتغل وفاء الطبوبي على مسرح يزاوج بين الجماليّ والوجوديّ، وتهتم بالإنسان قبل النص، وبالجرح قبل الحدث، وفي “الهاربات”، تتقدم خطوة أخرى نحو مسرح يعترف بأنّ الأسئلة أبقى من الإجابات، وأنّ الخوف ليس نقيض الحياة بل أحد تفاصيلها الأساسية.
وتبدو هذه المسرحية امتدادا لمسارها، فهي توسّع حدود الوجع، لتحوّله إلى لحظة جمالية وتصنع من الهروب بداية أخرى مع المزيد من التجريد، والمزيد من المساحات الرمزية، والمزيد من الاشتغال على الصمت، مع الانحياز للأثر على حساب الصدمة.
و”الهاربات” عمل عن الذين لم يعودوا، لأن العودة ليست دائما خلاصا، وعن الذين ينتظرون، لأن الانتظار أحيانا هو الطريقة الوحيدة للنجاة، وعن الذين ضاعوا، لأن الضياع قد يكون الطريق الأول نحو معرفة الذات.
وإذا كان الفنّ يختبر قدرتنا على رؤية ما وراء الظاهر ، فإن “الهاربات” تمنحنا تلك المساحة لأن ننظر إلى الوجع دون هروب، وأن نرى الهروب دون إدانة، وأن نفهم أنّ الإنسان في النهاية ليس سوى خطوة مرتبكة تبحث عن يقين لن يأتي.
الصورة بإمضاء مريم الشعباني