في أجواء تنهل من وقاره، ومن أثره الذي تركه في زوايا تونس وأركانها، احتضن مقرّ مجموعة “بي آس بي” مراسم إحياء الذكرى الأربعين لرحيل بشير سالم بلخيرية.
كان المكان يتّسع لوجوه جمعتها الذكرى ووشائج الوفاء: عائلته، ورفاقه القدامى، وأساتذة جامعيون، ورجال اقتصاد وإعلام، ووجوه صنعت جزءا من تاريخ تونس.
أربعون عاما مرّت على رحيله، ومع ذلك ما زال الرجل قادرا على جمع الناس حول اسمه كما لو أنّه لم يغادر يوما، وكأن ذكراه طاقة تتجدّد، وسيرته جسر يمتدّ بين أجيال لا تلتقي إلا على تخوم أثره.
في جمال رأى بلخيرية النور ذات مارس من عام 1930، وفي الطفولة، باغته الفقد حين رحل والده وهو في الرابعة عشرة، ومن هذا الانكسار القاسي أينعت قوة فتى يرى العالم بعين مثقلة بالمسؤولية، ويصنع من اليُتم إرادة، ومن الجرح سلّمًا نحو المعرفة.
كانت القراءة ملاذه الأول ثم تحوّلت إلى حوار عميق بينه وبين العالم، ومن الكتّاب إلى المدرسة الصادقية إلى معهد كارنو، تبلورت ملامح شاب جُبل على المعرفة حتى صارت شغفه الذي لا يخبو.
بعد الباكالوريا، حمل أحلامه إلى باريس، فتحصّل عام 1958 على إجازته في الاقتصاد التجاري، وما إن ضاقت به ضفاف فرنسا حتى شدّ رحاله إلى نيويورك، حيث نال عام 1960 شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.
في تلك الفترة، كانت الوظيفة العمومية عنوانا للاستقرار في السياق التونسي، لكنها لم تكن ما يبحث عنه فقد رفض البيروقراطية التي تلتهم الطاقات، ورأى أن مستقبل تونس الحقيقي يبدأ من المؤسسات، ومن الاستثمار وخلق القيمة، .
تجاربه الأولى في البيئة المالية الأميركية إيمانه عززت بأن الفاعلية الاقتصادية تقوم على الانضباط، وأن الجودة هي الحبل الوحيد للنجاة في عالم اقتصادي متوحّش.
زاده قناعة لا تقبل المساومة وهي أن المال نتيجة وليس هدفا، عاد إلى تونس وشرع شرع في الستينيات والسبعينيات في بناء اللبنات الأولى لمشروعه الكبير: مجموعة “بي آس بي”.
بهذه الفلسفة، توسّعت مبادراته في الصناعة والخدمات والنقل واللوجستيك والفلاحة والتأمين والنسيج والصحافة، وحتى الطاقة الشمسية قبل أن تصبح محطّ اهتمام السياسات العالمية.
كانت طريقته في العمل متفرّدة فهو يضع رأس المال بين يدي مستثمرين شبّان، يرافقهم، ويرشدهم، ثم يغادر نحو تجربة أخرى، وهكذا ساهم في بروز مؤسسات تونسية عديدة، وفي تكوين جيل كامل من الإطارات ورواد الأعمال.
وفي عام 1979، كانت اليابان محطته المدهشة، إذ عاد منها مأخوذا بفلسفة الجودة الشاملة، وقرأ المستقبل من نافذة آسيوية لم تكن وقتها كما نعرفها اليوم وعقد شراكة شفوية مع “تويوتا”، ثم دخلت أول سيارة تحمل علامتها إلى تونس سنة 1980.
وفي الثمانينيات، اندفع بمشاريع كانت تقفز فوق زمنها على غرار تصنيع الألواح الشمسية، وإدخال بذور فلاحية عالية الجودة، وبعث شركة طيران خاصة بالشراكة مع مشغلين أميركيين، ومشروع شركة مغاربية للنقل البري.
لكن البيروقراطية وغياب الرؤية الاستراتيجية أثقلتا خطواته، فتعطّلت مشاريع وتجمّدت أخرى، كما لو أنّ الزمن المحلي لم يكن قادرا على مجاراة سرعة رجل يعيش دائما خطوة أمام عصره.
ولم يكن أثره محصورًا في الاقتصاد، بل امتد إلى المجال المجتمعي والنقابي فقد حمل صوت الاتحاد العام التونسي للشغل في المحافل الدولية، كما دافع عن علاقة متوازنة بين الدولة ورجال الأعمال والعمّال، ولم يؤمن بالصراع، بل بالشراكة، وكان يرى أن تونس لا تتقدم إلا حين يضع الجميع أيديهم على الطاولة ذاتها.
وامتدّ شغفه إلى المجال الرياضي، أيضا، إذ آمن بأن الرياضة مدرسة للمواطنة، فدعم رياضة الرقبي، وموّل أنديتها، ورافق أطرها، وتولّى رئاسة جامعتها سنة 1975، فرفع اسم تونس في المحافل القاريّة والدولية.
وهو في الخامسة والخمسين فقط، رحل بشير سالم بلخيرية سنة 1985 تاركًا وراءه هوّة واسعة في المشهد الاقتصادي، وفراغًا لا يندمل في قلوب كلّ من عرفه أو مرّ بطريقه يومًا.
واليوم، بعد أربعين عامًا من الغياب، يحمل ابنه معز بلخيرية، الرئيس المدير العام لمجموعة “بي آس بي”، هذا الإرث الذي استعاد، في كلمته خلال مراسم الذكرى، صعوبة بدايته في سياق اقتصادي مربك، لكنه استعاد معها العزم على الوفاء لروح المؤسس، والسير بالمجموعة نحو أولويات جديدة: التكوين، الرقمنة، والابتكار.
أربعون سنة مرّت، ومع ذلك يبدو بشير بلخيرية وكأنّه لم يغادر حقًا، فالرجل الذي عاش بفلسفة الفعل، ترك ما يكفي من الضوء ليظل اسمه جزءا من سردية هذا الوطن، وجزءا من مستقبل ما يزال في حاجة إلى رجال يشبهونه.
ي.ش
*صورة رياض الساحلي