تتمرد المعلقة الرسمية لأيام قرطاج السينمائية على الجمود وتظهر كحالة حركة ممتدة ويتحول الشكل الأنثوي فيها إلى طاقة تمضي من أعلى اليمين إلى الأسفل، تساير انسياب اللون كأنما تحاكي تعاقب الأنفاس.
هذا الامتداد القطري يعطي التصميم حركية طاغية فتتتبع العين المسار، من الرأس المتواري في الظل إلى اليد الممتدة التي تختصر المعنى، وهو اختيار لا يقف في مركز المشهد، بل يتحرك عبره ويبلور منظوره وفلسفته.
وأما الألوان فتتدرج وفق منحى سردي، ويحمل الأزرق عند القاعدة هدوءا وعمقا يمهد لمفردات داخلية، فيما يشرّع البنفسجي باب الغموض والذاكرة، ويوقظ الوردي حسّ الحميميّة والأنوثة، ويستعر البرتقالي كطاقة ثورية.
والعلاقة بين هذه الألوان ليست عشوائية وهي انتقال من الداخل إلى الخارج، من الماضي إلى المستقبل، ومن الصمت إلى الاحتفاء ليجعل التدرج اللوني من المعلقة نصا بصريا يحيل إلى السينما بكل ما تحمله من حكايات وسحر.
وأما المرأة في المعلقة التي أوجدها فراس العقربي فأيقونة ورمز في الآن ذاته وهي لا تحيل إلى نموذج جمالي بل إلى قوة تخلق نفسها عبر الحركة وترفض أن تكون مجرد زينة، هنا المرأة فاعلة، وراوية، وخالقة معنى.
اليد الممتدة، وهي العنصر الأكثر وضوحا في المعلقة، تبدو كمانفستو ثورة ، تمتد إلى الأمام، تمسك بالياسمين، وكأنها تقبض على ذاكرة وطن وتعيدها إلى حقل السينما.
بهذا المعنى، يتحول الجسد إلى خارطة مقاومة للطمس والنسيان وأي محاولة لعزل صوت الجنوب.
وأما الياسمين فرمزٌ يثقل التأويل فهو ليس عنصر استيتيقا بل توقيع التاريخ والمكان، وهو ختم راسخ تظهر فيه تونس منبعا للحكايا وهو نغمة للحنين الوطني والإنساني.
في تفاصيلها تحمل المعلقة حكيا كثيرا عن السينما كممارسة التزام إذ تؤكد أن أيام قرطاج السينمائية يتجاوز كونه منصة لعرض الأفلام إلى منبر للمقاومة الثقافية، ولحوار يتخطى ثنائية المركز والهامش.
وتصميم المعلقة يُعيد التأكيد بأن السينما فعل التزام لا ترفا ثقافيا ووسيلة للمساءلة ولإعادة كتابة الذاكرة.
الحركة في الصورة، والمعنى في اليد، والألوان، تجتمع لترسخ فكرة أن هذا المهرجان يزاوج بين الفن والسياسة، فنّ لا يهرب من العالم، وسياسة تؤمن بقوة السرد السينمائي.
واللافت في هذه المعلقة هو توازنها بين بساطة الشكل وتعقيد الدلالة، والخطوط ناعمة، والشكل واضح، ولكن القراءة ليست سهلة بما يكفي لتقتل التأويل.
فكل عنصر مدروس، والمساحات الفارغة تمنح النظر فرصة للتأمل، والانسياب اللوني يتيح تشكّل معاني فرعية، وهنا تكمن براعة المصمم في أن يجعل الصورة تبدو سهلة، بينما يحزم في طيّاتها شبكة من الإحالات التاريخية والثقافية والسياسية.
والمعلقة تحمل حسّا يمتد من العناية بالتفاصيل إلى الوعي بالمسؤولية الرمزية ويختزل معنى الهوية والذاكرة ويدفع إلى،للجمهور إلى إعاده التفكير في ما يعنيه مهرجانٌ في زمن ملتبس