بقلم محمد زايري
“أتمنى أن تنتهي هذه المعاناة. لقد سئمت اغتصابي من قبل زوجي، همه الوحيد ممارسة الجنس أين ومتى يريد هو ذلك”، بعبرات الضعف والأسى تتحدث مريم الخ. ، (اسم مستعار، 32 سنة) متزوجة منذ 8 سنوات من ولاية القصرين وتقطن بالعاصمة التونسية.
مريم من ضحايا “الاغتصاب الزوجي” ومن النساء التونسيات القلائل اللاتي امتلكن الجرأة للتصريح عن معاناتهن الزوجية.
“لم يعد زوجي يعير اهتماماً إلى رأيي وإلى موافقتي. أصبح يطلب الجماع في جميع الحالات حتى وإن كنت مريضة، وعندما أرفض يقوم بشتمي وضربي وإكراهي على ممارسة ما يرغب من الجنس.”
يُعتبر موضوع الاغتصاب الزوجي من المواضيع الاجتماعية السوداء غير المرغوب في التداول فيها في تونس، التي تؤكد أن الثقافة الجنسية لا تزال غير مكرسة داخل مجتمعاتها.
كيف يرى المشرع التونسي قضية “الاغتصاب الزوجي”؟ وما رأي المجتمع التونسي في الموضوع، وهل يناصر المرأة أم الرجل؟ وبين القانون والمجتمع كيف تتعايش المرأة مع هذه المعاناة؟
إطار قانوني غامض: ثغرات في حماية المرأة
لم يعرف المشرع التونسي قبل صدور قانون 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة “الاغتصاب الزوجي”، بل لم يستعمل هذا المصطلح في المجلة الجزائية ولا في النصوص الخاصة واكتفى بالموافقة لوصف هذا النوع من الجرائم.
ما قبل المرسوم عدد 58 لسنة 2017
فما هو موقف المشرع التونسي من جريمة “الاغتصاب الزوجي”؟ هل هو فعل مجرم أم مباح؟
قبل صدور قانون أوت 2017 كان هناك رأي، يعتبر أن ممارسة الجنس بالقوة بين الزوجين هو فعل مباح وله مبررات في ذلك وأُسند إلى حجة وجود الرابطة الزوجية التي تمنع من تتبع الزوج من أجل جريمة الفصل 227 من المجلة الجزائية إذا ما قام بمواقعة زوجته بدون رضاها لأن الواقعة في هذه الحالة تقع في إطار الشرعية. ويبرر عقد الزواج مواقعة الزوج زوجته ولو دون رضاها، وهي فكرة تجد أصلها في الشريعة الإسلامية التي اعتبرت أن “كل ما أحله الله لا ينقلب إلى حرام أبداً”.
فالزواج مؤسسة نظمها القانون وضبط الحقوق والواجبات المنجزة عنها، والقبول بالدخول في رابطة زوجية يعني حسب هذا الموقف القبول بالحقوق والواجبات المنجزة عنها، وبالتالي فإن الرضا بالعلاقة الجنسية يصبح مقترناً بموجب الرضا بالزواج.
كما اعتمد أصحاب هذا الرأي إلى عدم توفر النية الإجرامية في جانب الزوج.

“ثورة” تشريعية ناقصة الأركان
في سنة 2017 أصدر المشرع التونسي القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 الذي اعتبره عدد من الحقوقيين بمثابة الثورة التشريعية ومكسبا كبيرا لصالح النساء التونسيات.
هذا القانون يُعرف العنف الجنسي في فصله الثالث بأنه “كل فعل أو قول يهدف مرتكبه إلى إخضاع المرأة لرغباته أو رغبات غيره الجنسية باستخدام الإكراه”، ويوفر حماية عامة للنساء بغض النظر عن علاقتهن بالمرتكب. على الرغم من أن هذا القانون يجرم العنف الجنسي بشكل عام، إلا أنه لا يذكر الاغتصاب الزوجي بشكل صريح كجريمة مستقلة. هذا الغياب ترك ثغرة قانونية واسعة، مما أثار جدلاً حول ما إذا كان القانون يجرم الاغتصاب الزوجي فعلياً أم لا.
تشير بعض المصادر مثل “منظمة العفو الدولية” في تقرير بعنوان “تونس للمغتصبين المخرج، وللضحايا اللوم والعقاب”، إلى أن القانون 58 لسنة 2017 يوفر حماية قانونية للنساء من الاغتصاب الزوجي من خلال تعريفه العام للعنف الجنسي، وهو الأقرب إلى كل ما تنص عليه المواثيق الدولية المنادية بحقوق الإنسان واحترام المرأة.
بينما تؤكد مصادر أخرى أن عدم التجريم الصريح يعني أن القانون التونسي لا يعترف بالاغتصاب الزوجي كجريمة مستقلة. هذا الغموض التشريعي يعيق بشكل كبير حماية الضحايا ويُصعّب من إمكانية لجوئهن إلى القضاء للحصول على العدالة.
عدم تجريم واضح للاغتصاب الزوجي
إن القانون الجزائي لا يجرم صراحةً الاغتصاب الزوجي، اذ كان هناك تصور سائد بأن الزواج يمنح “حقاً” جنسياً تلقائياً للزوج. “الفصل 13 من مجلة الأحوال الشخصية”، والذي ينص على أن “ليس للزوج أن يجبر زوجته على البناء –أي العلاقة الجنسية– إلا إذا دفع المهر”، كان يُفسر في بعض الأحيان بطريقة تسمح للزوج بفرض العلاقة الجنسية، مما يعفي الزوج ضمنياً من المساءلة الجنائية طالما الزواج قائم. هذا التفسير أدى إلى تكريس صورة نمطية للعلاقة الزوجية حيث يُعتبر رفض الزوجة للعلاقة الجنسية إخلالاً بـ”الواجب الزوجي”، في حين لا يعترف القانون بإمكانية إجبار الزوجة على العلاقة الجنسية قسراً من قبل زوجها.
بالتالي فإن اعتماد الصيغة الواسعة التي جاء بها الفصل 227 القديم من المجلة الجزائية والقانون 57 لسنة 2017، وقولهم في ذلك أن المشرع التونسي لم يستثن من دائرة التجريم الصورة التي يكون فيها المعتدي زوجاً للضحية، ولو أراد ذلك لكان بصفة صريحة، فالاستثناء يجب أن يكون صريحاً.
فالمشرع استعمل أسلوباً يتميز بالشمولية والعمومية الأمر الذي يجعل العمل بهذا النص في عموميته.
ما يبرره هو أن الزواج وإن كان يُعطي للزوج الحق في أن يجامع زوجته، إلا أن ذلك يجب أن يكون بطريقة بعيدة عن دائرة الاعتداءات الجنسية.
إحصائيات حول عدد ضحايا الاغتصاب الزوجي والعنف المسلط على النساء المتزوجات
تشير دراسات مختلفة إلى أن العنف الزوجي يشكل نسبة كبيرة من حالات العنف المبلغ عنها. على سبيل المثال لا الحصر أظهرت دراسة قامت بها وزارة المرأة والأسرة والطفولة التونسية أن 81% من حالات العنف المبلغ عنها عبر الخط الأحمر 1899 كانت ذات طبيعة زوجية وغالباً ما تشمل عنفاً جنسياً مسلطاً على الزوجة. هذه الأرقام تؤكد تفشي الظاهرة داخل الإطار الزوجي.
خوف اجتماعي يدعمه العائق القانوني والإجرائي
تعدّ مكافحة الاغتصاب الزوجي في تونس مساراً مليئاً بالتحديات، تتراوح بين الثغرات القانونية والوصمة الاجتماعية وضعف آليات التطبيق.
التحديات القانونية (يجبر المرأة على الصمت)
غياب نص جنائي صريح يجرم الاغتصاب الزوجي هو العقبة الأكبر. هذا الغياب، بالإضافة إلى التفسيرات التي تعتبر العلاقة الجنسية داخل الزواج حقاً مشروعاً للزوج، يُضعف من حماية الضحايا ويُعيق حصولهن على العدالة.
التحديات الاجتماعية (وصمة مرتبطة بالحديث عن الحياة الجنسية الزوجية)
الوصمة المرتبطة بالحديث عن الحياة الجنسية، حتى داخل الزواج، تمنع النساء من الإبلاغ أو طلب المساعدة.
كما أن غياب التربية الجنسية في المنظومة التعليمية يُسهم في انتشار الجهل بأبجديات العلاقة الصحية بين الزوجين.
المفاهيم التقليدية التي قد تبرر أو تقلل من خطورة العنف الجنسي داخل الزواج تُزيد من تفاقم المشكلة.
غياب الإجراءات الردعية
ضعف آليات التبليغ، وغياب مراكز متخصصة لاستقبال الضحايا، وعدم وجود تكوين كافٍ للقضاة والشرطة للتعامل بحساسية مع هذه القضايا، كلها عوامل تزيد من عزلة الضحية وتثنيها عن طلب العدالة. المخاوف من إجراءات الطلاق وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية تدفع العديد من النساء إلى الصمت وتحمل العنف.

عوائق التبليغ عن الجريمة
إن غياب التجريم الصريح للاغتصاب الزوجي يؤثر سلباً على ضحايا العنف الزوجي داخل الزواج ويعكس نقصاً في حماية حقوق الإنسان.
هذا كما أكد لنا الناشط في المجتمع المدني “مجتبى الهميسي” يؤدي عدم التجريم الصريح إلى تقويض ثقة الضحايا في النظام القانوني ويجعل من الصعب عليهن الحصول على العدالة والتعويض.
كما يعزز هذا الوضع الشعور بالإفلات من العقاب لدى الجناة مما يزيد من تكرار حوادث الاغتصاب.
فتكون العواقب النفسية والجسدية وخيمة على الضحايا وقد تؤدي إلى مشاكل صحية طويلة الأمد.
الحلول المقترحة “إلى متى الصمت؟”
هناك دعوات متزايدة من المنظمات الحقوقية والنسوية في تونس لتعديل القانون الأساسي رقم 58 لسنة 2017 لتضمين نص صريح لتجريم الاغتصاب الزوجي.
فيضمن هذا التعديل حماية أوضح للضحايا ويمكنهن من الحصول على العدالة بشكل فعال. بالإضافة إلى ذلك يجب تعزيز آليات تطبيق القانون وتدريب الكوادر القضائية والأمنية للتعامل مع هذه القضايا بحساسية ومهنية.
هذا وقد أكدت مديرة “المرصد الوطني لمنهضة العنف ضد المرأة” لا يقل أهمية عن الإصلاحات القانونية الحاجة إلى حملات توعية مكثفة تستهدف المجتمع بأسره لتغيير المفاهيم السائدة حول العنف والاغتصاب الزوجي وحقوق المرأة.
إذ يجب أن تتضمن هذه الحملات التركيز على مفهوم الرضا في العلاقات الجنسية وأهمية احترام حقوق الزوجة من خلال التعليم والتوعية.
وبالتالي يمكن بناء ثقافة مجتمعية ترفض العنف بجميع أشكاله وتدعم الضحايا.

تعتبر تونس من البلدان العربية الأولى التي قطعت أشواطاً في مجال تعزيز حقوق المرأة ومكافحة العنف ضدها، وخاصة مع إصدار القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 الذي وسع تعريف الاغتصاب ليشمل أي إيلاج جنسي دون الرضا، إلا أن الغياب الصريح لتجريم الاغتصاب الزوجي لا يزال يمثل فجوة تشريعية رئيسية تتطلب المعالجة. اذ أن هذه القضية تتجاوز البعد القانوني لتلامس أبعاداً اجتماعية وثقافية عميقة تتطلب تغيير المفاهيم السائدة حول العلاقة الزوجية وحقوق المرأة داخلها.
فلا يمكن تحقيق حماية شاملة لضحايا الاغتصاب الزوجي إلا من خلال تضافر الجهود التشريعية والقضائية والمجتمعية لضمان تطبيق فعال للقانون ورفع الوعي المجتمعي وتوفير الدعم اللازم للناجيات.