جدّة/ في منطقة تجمع بين الفن والهوية والذاكرة والتأويل، وقفت المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر على مسرح قاعة العروض الرئيسية في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي حاملة فيلمها “فلسطين 36″ إلى فضائه العربي لأول مرة.
هذه اللحظة التي تكثفت بتفاعلات الجمهور الذي ملأ المقاعد ، وصفتها بالمهمة بالنسبة لكل فريق العمل، مؤكدة أن الأمر لا ينتصر في الاحتفاء بالفيلم فقط بل لأن الجمهور العربي الأهم بالنسبة لها.
وفي حديثها، لم تخف المخرجة التي عادت بالزمن إلى سنة 1936 أنى خطا الصهاينة خطواتهم الأولى لافتكاك الأرض من أصحابها، ثقل التجربة قائلة ” هذا المشروع الأكبر في حياتي.
كما أشارت إلى مشاركة هذه التجربة مع فريق واسع من جنسيات مختلفة جزء منهم حضر العرض لأنهم يمتلكون جوازات سفر أجنبية فيما لم يستطع الآخرون الحضور.
وفي سياق متصل، أثارت مسألة التنقل وصعوبات السفر التي يواجهها أصحاب جوازات السفر العربية وخاصة الفلسطينية وأبدت تأثرها لغياب زوجها منتج الفيلم الذي شهد ولادته في كل تفاصيلها.
ولم تنس داعمين الفيلم على غرار صندوق البحر الأحمر لدعم الأفلام الذي الذي احتضن خطوات الفيلم الأولى وازدادا صوتها تأثرا حينما أهدت الفيلم لوالديها اللذان اختارا السعودية وجهة حينما احتل الصهاينة فلسطين.
كما أكدت، بشجن، أن الفلسطينيين ماانفكوا يبحثون عن مكانهم بعيدا عن الاحتلال وقفز الحنين من بين الكلمات حينما استعادت سنوات قضتها بين جدة والرياض، قائلة “أنا في مكاني… أثّر فيّ هذا المكان كثيرًا… شعرت أننا يمكن أن نحلم، بفضل ناس يؤمنون بأن كل شيء ممكن”.
ومن ثم ملأت الأرجاء بوصلة صمت قبل أن تردد ” فلسطين حرة “، المفردتين اللتين التقطهما بعض الحضور وصدح بهما وسط دوي من التصفيق المسترسل في مشهد يعكس قدرة السينما على إبقاء الذاكرة حية.
عن فلسطين 36
الفيلم، دراما تاريخية تنغمس في قلب الملحمة الفلسطينية وتعانق الملامح الأولى للاحتفال عام 1936، حين تصاعدت الثورة الفلسطينية ضد الحكم البريطاني، وبدأت القرى الفلسطينية تتجه نحو التمرد مطالبةً بالاستقلال.
أحداث متوترة ومتشابكة تتخذ منحى تصاعديا على وقع قصة يوسف الشاب الفلسطيني الذي يتنقل بين قرية “البسمة” ومدينة القدس المتأججة في ملاحقة حلم لم يكتمل.
والفيلم صورة كثيفة عن الانتداب البريطاني عل فلسطين (فلسطين الانتدابية) في لحظة مفصلية إذ تتصاعد موجات الهجرة اليهودية الهاربة من أوروبا الفاشية، وتشتد المطالبات الفلسطينية بالاستقلال، ليدفع التوتر جميع الأطراف نحو صدام حتمي سيعيد تشكيل مستقبل المنطقة بأسرها.
وهو لا يرصد الأحداث فقط، بل يفكك البنية النفسية للشخصيات التي تعيش بين خوفٍ متعاظم وحلم يكابد ليحيا ومصير مستعر، على وقع لغو بصرية مشبعة بالتوترات الداخلية تستند فيها آن ماري جاسر إلى بطئ حركة الكامرا وضيق بعض الكادرات في محاكاة لضيق الخيارات واتساب البعض الآخر في إحالة إلى امتداد المقاومة.
و”فلسطين 36″ يتحرك بين رمزية دقيقة وتوثيق بصري يجعل من المكان شخصية مستقلة بذاتها بل إنها تستأثر بالبطولة، ففلسطين ليست خلفية مكانية ، بل شخصية مركزية تتنفس عبر كل تفصيل يهتز تحت أثر التاريخ.
وفي محاولته تصوير بدايات الثورة، يبتعد الفيلم عن الصياغات البطولية المباشرة، ليقدّم مقاومة يومية، هامسة، تخرج من أفواه الفلسطينين في عيشهم لا من صخب الشعارات المفرغة من القيمة والمعنى.
وهو يوازن بين الحميمي والسياسي، وبين التاريخي والإنساني، ليؤكد أن التراجيديا التي تشكلت معالمها سنة 1936 ليست ماض عابرل بل مرآة لأسئلة تتجدد اليوم عن الأرض والهوية والذاكرة والمقاومة.
وحضور الفيلم في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي محطة أخرى في مسيرته في المهرجانات العالمية؛ فهو ممثّل فلسطين الرسمي في جوائز الأوسكار، وقد بلغ القائمة القصيرة لجوائز الفيلم الأوروبي الثامنة والثلاثين.
كما شهد عرضه العالمي الأول في عروض الجالا بمهرجان تورونتو السينمائي الدولي، وشارك في مهرجان المعهد الأمريكي للسينما بلوس أنجلوس، ومهرجان شيكاغو السينمائي الدولي، وغيرها من المحطات البارزة.
فريق الفيلم : تأليف وإخراج : آن ماري جاسر تصوير : هيلين لوفارت مونتاج : تانيا ريدين تصميم: ديكور نائل كنج تصميم أزياء حمادة عطاالله موسيقى : بن فروست الممثلون والممثلات : هيام عباس، وكامل الباشا، وصالح بكري، وجيرمي آيرونز وياسمين المصري، وكريم داود عناية، وجلال الطويل، وظافر العابدين، وروبرت أرامايو، والوجوه الجديدة ورد حلو، وورد عيلبوني، يافا بكري.