جدة/ يأتي فيلم “مسألة حياة أو موت” للمخرج أنس باطهف، ومن تأليف سارة طيبة، ليضيف بعدا مختلفا إلى موجة السينما السعودية الصاعدة، بعد يمزج بين الرومانسية والغرائبية، وبين الفانتازيا الخفيفة وكوميديا الموقف، في حكاية تُروى من قلب جدة ولكن بروح تتجاوز جغرافيتها إلى عالم إنساني أرحب.
والفيلم الذي يغامر بأن يُقدّم حكايته خارج السياق المعتاد، ويقول لمشاهده إنّ القصص التي نرويها عن أنفسنا قد تكون أحياناً أثقل من الحياة، وأقرب إلى الموت، من بطولة سارة طيبة، ويعقوب الفرحان، وحسام الحارثي، وفي فؤاد وأماني الجميل.
منذ لحظاته الأولى، يعلن الفيلم عن تفرده الجمالي عبر استهلال مشغول بلغة الأنيميشن والفيديوهات التحريكية، في مدخل مختلف إلى الحالة الشعورية للشخصيتين الرئيسيتين، وإلى عالم يختلط فيه الواقع بما تصنعه المخيلة المُنهَكة بالأسئلة والخوف.
وهذه المشاهد يوظفها الفيلم كعتبة أولى لفهم الهواجس التي تسكن “حياة” و”يوسف” ويشي بأن القادم يمكن أن يكون واقعيا ولكن الأكيد أنه نفسي يترنح على أعتاب الفانتازيا.
“حياة”، الشابة التي تمشي في العالم كمن تسكنه لعنة، و”يوسف”، جرّاح القلب الذي يتباطأ نبضه كأن الحياة تتحرك داخله على مهل، أو كأن روحه ترفض الإيقاع الخارجي، يلتقيان ويعبر كل منهما عبر الآخر إلى ذاته التي تهرّب منها.
ولعلّ أبرز ما يحسب للفيلم قدرته على ترجمة الحالة النفسية في الصورة فالكادرات لا تراكم السرد بقدر ما تفصح عن دواخل الشخصيات رغم محاولاتهم المستمرة لإظهار عكس ما يضمرون.
اللقطات الضيقة على وجه “حياة” تكشف هشاشتها وخوفها من متلازمة اللعنة، والفراغات الواسعة التي تحيط بـ”يوسف”تُبرز وحدته وبطء نبض حياته قبل قلبه، فالصورة ترسم ضيق الداخل عبر ضيق الإطار، واتساع الوهم عبر مبالغة الضوء والفراغ.
ومع كل انتقال بين مشهد وآخر، يبدو وكأن الكاميرا تلتقط صوتا داخليا غير منطوق، وتترجمه إلى حركة أو زاوية أو ظلّ، في تواز بين المشاعر والعدسة يمنح الفيلم حسّا شاعريا.
وبين كل المشاهد وطبقات التأويل تتجاوز مدينة جدة التي صور فيها الفيلم المكان لتتحول إلى حالة مشوبة بالواقعية السحرية وتصبح الأزقة، والشوارع، والواجهات البحرية امتدادا لحيرة الشخصيات؛ ضيقة في أعين من يميل إلى الاستسلام ورحبة بما يكفي لخلق فرصة جديدة مع أول رغبة في التغيير.
ومسألة حياة أو موت” يختبر أكثر من طبقة كوميدية من كوميديا الموقف، إلى المواقف السريعة التي يصنعها سوء الفهم، والكوميديا السوداء التي تنبت من فكرة أن الإنسان قد يكون أسيراً لوهمٍ صنعه عقله أو كرّسته البيئة من حوله.
والسخرية تتعدى الإضحاك إلى الكشف عن مدى التناقض بين ما نعتقد أنّه قدر وما هو في الواقع مجرد خوف مُعظّم وهو مت يبرز في لحظات تقاطع حياة ويوسف: كلاهما عند حافة الانهيار، لكن المفارقة التي تجمعهما تصنع مشاهد مضحكة في ظاهرها، ساخرة ناقدة في عمقها، تنقل توترهما الداخلي بطريقة لا تُسخف المشاعر ولا تُبالغ في الغرابة.
وفي انزياح محسوب بين الغرائبي والفانتازي من جهة، والواقعي والكوميدي من جهة أخرى، ينجح العمل في أن يحتضن تعددية نبراته دون أن يفقد صوته، فالعالم الذي يخلقه ليس واقعيا تماما، وليس خياليا بالكامل؛ هو عالم معلّق بينهما، كأن الشخصيات تعيش على تخوم الإدراك، ترى ما تخلقه مخيلتها، وتخاف مما تراه عيونها.
عالم “حياة” الداخلي يبدو أحيانا مثل رسوم متحركة غادرت كتابا قديم، بينما يظهر عالم “يوسف” أكثر صمتاً ورسوخا ليخلق التقاء العالمين نبرة فريدة، تجعل الفيلم قريبا من القلب دون أن يتخلى عن حسّه الطفولي والغامض.
والفيلم في جوهره رحلة بحث عن الخلاص، فكلا الشخصيتين يواجه “لعنة” ما، “حياة” أسيرة تصوّرات مظلمة عن ذاتها وعن مصيرها، و”يوسف” غارق في بطء رمزي يجعله غير قادر على العيش بما يكفي، لكن الفيلم يقدّم الحب كنافذة يرى عبرها الإنسان نفسه بشكل أوضح.
الحب هنا ليس رومانسية مفرطة، بل شكل من أشكال النجاة، نجاة من تهويلات العقل، ومن ضغط المجتمع، ومن السرديات التي تفرض على الفرد شعوراً بالعطب، إذ أعاد الحب ترتيب إيقاع نبض “يوسف”، ومنح “حياة” فرصة لتقتنع أنها أسيرة وهم.
و”مسألة حياة أو موت” يقترح تجربة بصرية ونفسية مرهفة وينجح في خلق عالم تُضيئه الكادرات، ويحرّكه الأنيميشن، وتنعكس فيه آلام شخصياته بقدر ما تنعكس آمالها ويقدّم كوميديا لا تسقط في الابتذال، ويوازن بدقة بين الواقعيوالغرائبي.
ما نظنه لعنة قد يكون مجرد خوف، وما نعتقد أنه نهاية قد يصبح بداية… فقط حين يتكئ الإنسان على قلب آخر، هي الكلمات المناسبة لتوصيف مغزى الفيلم على إيقاع المشهد الختامي.