ينهل فيلم «إركالا: حلم كلكامش» للمخرج محمد الدراجي من إرث الأسطورة ليعيد قراءة جراح العراق الحديثة بعيون طفل شوارع يجد نفسه في مواجهة قسوة الفقد ووحشة الحرب.
في هذا العمل، تتجاور بغداد الواقعية مع عالم سفلي تسكنه ذاكرة سومرية، ويتقاطع الحاضر المثخن بالدمار مع أسئلة الهوية، والبحث عن الخلاص، واستعادة ما سقط من الإنسان في الطريق.
المخرج محمد الدراجي يشكّل في فيلمه عالمًا بصريًا يراوح بين العتمة والحلم، ويُدخل الأسطورة في النسيج السردي دون أن يتخلى عن واقعية شديدة الحساسية، تستند إلى تجارب شخصية وقراءات اجتماعية قاسية لبلد أثخنته الحروب.
للحديث عن الرؤية الإخراجية، وبناء الحكاية، واشتغاله على توازنات دقيقة بين الواقعي والمتخيل، بين الذاكرة والأسطورة، وبين ألم الطفولة وقدرتها على النجاة، التقت رباليتي أون لاين المخرج محمد الدراجي في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي وكان الحوار التالي :
الفيلم ينهل من ملحمة كلكامش ويستعير “إركالا” (العالم السفلي في الحضارة السومرية) كفضاء رمزي للبحث عن الخلاص. كيف اشتغلت على مزج الواقعي بالأسطوري دون أن يفقد الفيلم صدقيته؟
الحقيقة أن الفكرة الأولى جاءت من الهند، تحديدا من امرأة تقود حافلة في الشوارع، تجمع أطفال الشوارع وتعلّمهم. ومن هنا بدأت الحكاية، ومع أحداث القاعدة وداعش تطوّرت الفكرة أكثر، وزميلي وصديقي المخرج والكاتب الجزائري كريم طرايدية شاركني العمل منذ البداية، ثم انضمّت إلينا المخرجة السعودية شهد أمين التي رغبت في إدخال البعد الأسطوري.
كلكامش كان حاضرًا سابقًا فقط في شكل كرتوني، لكن شهد اقترحت أن نذهب أعمق في الأسطورة، إلى علاقة كلكامش (ملك سومري ترتبط به ملحمة تاريخية) بأنكيدو (شخصية من الأساطير السومرية).
أنا شخصيا أميلُ إلى السينما الواقعية، لذلك أردت أن يبقى الفيلم واقعيًا، لكن في بعض اللحظات نخرج إلى عالم غير واقعي: عالم الطفل “جم جم”، نرافقه في حلمه.
وفي الأثناء يتخذ كلكامش وجوها كثيرة تثير التساؤلات عما إذا كان هو فعلا الملك السومري أم صورة أخرى عنه أم حفار قبور …
ولابد من الإشارة إلى أن مشكلة العراق الحديث أننا لا نملك شيئًا نرتكز عليه أو نعود إليه، وجزء من هويتنا القوية هو الحضارات التي سبقتنا: سومر وبابل، هذه الهوية نحتاجها اليوم لأن حاضرنا تعيس بسبب الحروب.
العراق وبغداد عاشا الخلافة العباسية، ثم سقط كل شيء، وهذا السقوط أثّر على الشخصية العراقية وصارت أزمة الهوية واحدة من مشكلات العراق العميقة.
رحلة “جم جم” تشبه رحلة كلكامش في مواجهة الفقد. إلى أي مدى كان الاشتغال على الثيمة الأسطورية خيارًا جماليًا وسرديا لملامسة جراح العراق المعاصرة؟
بالضبط، تخيّلت: ماذا لو كان “جم جم” هو كلكامش؟ الملك المتجبّر الذي يقتل ويغتصب، لكنه يتغيّر حين يفقد صديقه أنكيدو. العلاقة بين “جم جم” و”مودي” (شخصيات الفيلم) تعكس علاقة كلكامش بأنكيدو.
الفقد جزء أصيل من الحياة في العراق وأهل “جم جم” رميوا في النهر وأن تفقد أحدا في فترة الحرب، يصبح الألم مضاعفًا. أختي مثلًا فقدت زوجها اختاره الدواعش في الطريق ولا نعرف إلى اليوم مصيره، وإلى اليوم، وبعد 13 سنة، تعتقد أنه حي.
ثم إن دفن الميت جزء من الثقافة الإسلامية ومعه يتحقق الوداع ويترك الرحيل، و”جم جم” يريد أن يرى أهله ويودّعهم. وفي النهاية، يراهم عندما يجلس مع “كلكامش” ويتحدث معه عن شوقه لهم… وهكذا يكبر… ويواجه الحقيقة.
السرد يتقدّم من وجهة نظر طفل شوارع. ماذا أتاح لك هذا المنظور دراميًا وجماليًا عما لم يكن ممكنًا لو رويتَ القصة من زاوية الراشدين؟
أقول دائمًا لصنّاع السينما الذين أُدرّبهم: اذهبوا إلى لحظة دخولكم المدرسة في عمر ست سنوات. لحظة الاكتشاف الأولى.
حين أسقطُ وضع المجتمع على طفل، يصبح الألم أخفّ، وتتحول القصة إلى مساحة للحلم.
فكرة الثور المجنح، مثلًا، جاءت من ابني آدم، عمره سبع سنوات، وأخته التي عمرها ثلاث سنوات. كنا نسير قرب النهر حين حدثت مظاهرة، وظهرت غازات مسيلة للدموع وحينما سألاني قلت الأشرار” يضربون “الأخيار” ولم أرد أن أشوه صورة الشرطة في ذهنيهما، في اليوم التالي، قال ابني لاخته: “الأشرار يضربون الأخيار، والديناصور سيأتي ليحميهم.
وشهد أمين وكريم طرايدية ساعداني على تطوير هذه اللمسات.
وجود «جم جم» و«مودي» أتاح لي إسقاط الكثير من الرموز بسهولة. أنا أهرب من واقعي… وأهرب إلى السينما. السينما عالم أرتاح فيه، أستطيع أن أبني فيه واقعًا مغايرًا.
وبغداد… رغم الخراب، مدينة جميلة، واحدة من أجمل مدن الشرق الأوسط.
الفيلم يصوّر بغداد كمدينة متشظّية بين النهر والسلاح والحلم، شخصية بحدّ ذاتها، تتنفس، تراقب، تثور، وتصمت أحيانًا وكأنها تقول «لا أملك القدرة على تغيير الواقع» ؟
رسمتُ خطًا بصريًا يجعل الحكاية تدور حول النهر. كأنك ترى المدينة من الأعلى… كأن الله يراقبها.
كأنه برزخ ؟
نعم إركالا هو العالم السفلي عند السوماريين وفي المفهوم الاسلامي البرزخ، والماء عنصر أساسي في كل الحضارات، والناس تذهب حيث يكون الماء. بغداد موجودة لأن دجلة هناك، والجسور، والزوارق القديمة، والحديد الذي أكله الصدأ، الأشياء القديمة… كلّها أقوى من الحديث.
الطفولة في الفيلم تنطوي على قدر كبير من الألم دون أن تفقد عفويتها. كيف عملتَ مع الطفلين حسين رعد ويوسف طه للوصول إلى هذا المستوى من الصدق؟
كان العمل مع الأطفال صعبًا للغاية. بدأنا من الصفر، مع كثير من التمارين.
حسين رعد الذي يؤدي دور “مودي” جعلته أصلع في التمارين حتى يتقمّص الشخصية بعد أشهر طويلة ويوسف طه الذي يؤدي شخصية “جم جم” كان خجولًا، لكنه يتحول إلى عنيف في لحظات معينة واشتغلتُ كثيرًا على حركة الجسد معه… وكان الفيلم نتيجة لعمل طويل ومضن.
الإنتاج مشترك بين دول عربية وغربية. كيف أثّر هذا التنوع على حرية القرار الفني وعلى نبرة الفيلم؟ وهل ظهرت اختلافات في مقاربة الحكاية العراقية بين الشركاء؟
الإنتاج المشترك بدأ مع شركة Imagination في الإمارات، ثم فرنسا، ثم بريطانيا، وبعدها قطر والسعودية.
في الكتابة، كنّا ثلاثة مخرجين وكتّاب نعمل معًا، نساعد بعضنا البعض في أفلامنا. نحن “مثلث”: أنا وشهد أمين منذ سيدة البحر، وكريم طرايدية منذ ابن بابل.
كل واحد منا يضيف شيئًا خاصًا: كريم ممتاز في نقل الأحاسيس، وأنا في الهيكلة وبناء الحكاية، وشهد بارعة في الخروج من النمط التقليدي والذهاب إلى غير المألوف.
قصة الفيلم يتنقّل الحالم ذو التّسع سنوات "جم جم"، و"مودي" الشّابّ القويّ البالغ من العمر 13 عامًا، في شوارع بغداد القاسية. يَسْتَحْوِذُ على "مودي" هوس الهرب إلى هولندا بصحبة " جم جم" وشقيقته "سارة". تتغيّر الأمور عندما يلتقون بـ "مريم"، وهي امرأة حماسيّة، حوّلت حافلة قديمة ذات طابقين إلى مدرسة متنقّلة لأطفال الشّوارع. بعد أن تُري "مريم" " جم جم " فيلمًا كرتونيًّا عن رحلة البطل الأسطوريّ "كلكامش" إلى العالم السّفليّ، يستولي عليه هوس جديد. ولكن حلم " جم جم " يصطدم بسرّ مظلم: تحالف "مودي" مع زعيم ميليشيا قاسٍ ومخطّطه لتفجير المتظاهرين. لذا يتوجّب على " جم جم" الآن مواجهة واقع وحشيّ. فهل يمكن لسعي طفل وراء أسطورة أن ينقذ صديقه؟ أم أنّ طريق "مودي" المظلم سيلتهمهما معًا؟