يقدّم المخرج رودولف شديد في فيلمه “المنتهى” الذي عرض في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي عملا تأمليا ينهل من الصمت أكثر من الكلام وينسج تفاصيله من هشاشة زوجين خلّف العمر في قلبيهما فراغًا واسعًا يشبه الفراغ الذي يلفّ القرية الجبلية المنعزلة التي يعيشان فيها.
بشاعرية مربكة، يصوغ شديد شديد رحلة زوجين، نعيم وأمل، يعيشان في عزلة جبلية بعد غياب أطفالهما، قصة بسيطة لكنها تنفتح على شبكة من الأسئلة الوجودية، حيث تتحوّل الذاكرة إلى مسرح، والطبيعة إلى لغة، والصمت إلى جدار لم يبقَ سند سواه.
منذ اللقطات الأولى، تستنطق الكاميرا الطبيعة وتمنحها روحا أخرى على تخوم اليومي المتكرر للزوجين بإستثناء بعض الحوادث الغريبة والغرائبية وتظهر عناصر امتدادا لحالاتهما النفسية والذهنية.
اللقطات الواسعة للجبل، والغابة، وخطوط الضوء الممتدة فوق الضباب الصباحي، بعض من ملامح الصورة التي تعمد إلى الهدوء والبطء، كأن الزمن نفسه يستكين على مهل على حدجنبات كل تفصيل.
أما الألوان المائلة إلى التراب والرمادية فتعكس زمنًا يقترب من نهاياته، في حين تأتي اللمسات الضوئية الخفيفة كمساحات أمل صغيرة تشبه آخر محاولات نبض قلب معزوم للتماسك
لا صخب ولا صراخ في الفيلم، كل شيء خافت، ومتردد، ومتباطئ مثل خطوة شخص يوغل في ذاكرة يخافها ولكنه يحن إليها في الوقت نفسه.
وفي فيلمه يغرق شديد في عناصر طبيعية تشكّل مجتمعة خطابا بصريا متكاملا ، وتهب الريح كأنها صوت صدع داخلي، ويظهر الماء كأثر حياة، ويستدعي الحطب والرماد صورة البيت الذي يراوح بين الدفء العابر والبرد الطويل، ويبتلع الضباب الأفق كلما توسعت الهوّة العاطفية بين نعيم وأمل.
وكل عنصر طبيعي يعادل حالة نفسية، فحين يبرد البيت تتجمد العلاقة، وحين يتقدّ الحطب بعود الدفء لوقت قصير ، كأن الطبيعة تسترق السمع إلى مذكرات الزوجين وتمضي على وقعها.
والفيلم يشتغل على الصوت بذكاء لافت فلا موسيقى مهيمنة، بل نسيج من الأصوات التي تُحيل إلى العزلة والحميمية في آن واحد، من حفيف الشجر إلى وقع الخطوات على الأرض الرطبة، وصوت احتكاك القلم بالورق.
وهذه الأصوات تشكل بعضا من ملامح السرد في الفيلم إذ يبدو، أحيانا، أنّ الصوت هو الذي يقود المعنى بدل الكلمة، فحين تطلب أمل من زوجها كتابة تاريخهما، يضيع صوتهما داخل هدير الصمت، وكأن الصمت هو الجدار الأخير في علاقتهما.
والقصة موشحة ببعد روحاني عميق يسكن في التفاصيل الصغيرة، في صورة مريم العذراء، في النظرات المشرئبة إلى السماء، وتحاكي كتابة التاريخ الشخصي الاعتراف، بإعادة النبش في خانات الذاكرة، وأما المكان بخصوصياته فيبدو مثل دير واسع، يختلي فيه الزوجان بجرحهما المشترك.
والأحداث تمضي على خطين متوازين، أحدهما طبيعي والآخر نفسي يراوح بين الرغبة في الفهم ومحاولة بعث حب ضائع، وسعيد إلى تضميد جراح تأبى الاندمال.
والتواصل بين عناصر الطبيعة والشخصيات جزء من البنية الدرامية، إذ يتحول الخارج إلى ترجمة أمينة لما يحدث في الداخل على إيقاع لقاءات نعيم وأمل حيث تتشكل توليف من الخوف والاعتراف والصلابة والاستسلام.
وفي “المنتهى” تحمل فاديا صعيبي (أمل) تحمل تاريخا كاملا في نظراتها، صوتها منخفض، لكنه مليء بصلابة امرأة ما زالت تؤمن بأن استعادة الحب ممكنة إذا تسرب إلى القلب ما يكفي من الضوء.
أما جان عيسى (نعيم)، فيجسّد رجلا هاربا من ذاته، محبًّا لكنه مرتبك، متعبا من الحياة ومترددا أمام الاعتراف، بهالة من الصمت الذي يرتوي من إيمان بعدم جدوى البوح.