في أغنيتها الجديدة “يا عيني كفاك ألم”، تبدو الفنانة اللبنانية يال سولان كما لو أنها تفتح نافذة على الألم الإنساني بكل طبقاتِه، وتحوّل الوجع إلى مادةٍ صوتية تتردّد بين حنايا الروح.
هذا العمل الذي يحضر فيه المنتج التونسي بلال عبدو، يستعيد تراتيل سودانية تقليدية ويغمسها في قالب حديث لتغدو شهادةً فنية على معاناة النساء في المنطقة، وامتدادا لأصواتٍ خافتة تحاول أن تصدح رغم ضجيج العالم وقسوته.
بعد نجاح أغنيتها السابقة “منام” التي حملت ملامح هروب رقيق من الواقع، تقف اليوم يال سولان وجها لوجه أمام الحقيقة، وتغوص في تفاصيل ما يحدث في السودان، كأنها تستعيد نبض الوجع وتضعه في قلب موسيقاها.
في “يا عيني كفاك ألم”، تقترح تأويلا فنيا للمأساة وتشرع أبواب الأسئلة وهي تمنح الحزن شكله المتحرّك، والمتحوّل، الذي لا يلبث أن يتخذ هيئة امرأة تقف على خط رفيع بين الانكسار والصمود.
أما الفيديو المصوَّر في لبنان، فهو امتدادٌ بصري لرحلة الصوت، تظهر في بدايته انعكاسا مألوفا للمرأة العربية التقليدية، محمّلة بالإرث، معلّقة في ذاكرة الجماعة، ثم شيئًا فشيئًا، تنبثق شخصية أخرى من بين طبقات المشهد؛ امرأة أقوى، أشدّ تحدّيًا، تزيح عن كتفيها تاريخًا مكتوبًا بغير يدها، وتبدأ في كتابة تاريخ آخر، يخصّها وحدها.
هذا التحوّل ليس اختيارا فنيا فحسب، بل هو إعلانٌ رغبة في التحرّر، وانحياز لمواجهة الألم بجرأة تكاد تشبه التمرّد على حساب محاولة طمسه أو تجاهله.
مركزة على خلفيتها في عالم الأزياء والفنون البصرية تصنع يال سولان عملًا يتجاوز حدود الأغنية التقليدية، فكل حركة، وكل تفصيلة في الصورة، منسوجة بخيط دقيق يربط بين الجمالية والجرح.
صوتها ينصهر مع أدائها التمثيلي ليشكل لغة إمرأة تحاول أن تُعيد لنفسها ما سلبته الحياة منها، وأن تمنح الآخرين جرأة مماثلة، إمرأة ترى الفن وسيلة لإظهار الوجع في صيغته الأكثر صدقًا والأكثر إنسانية.
بهذه الأغنية، تواصل يال رسم مسارها الخاص، مسارًا لا يشبه إلا صوتها وتعبيراتها الموشحة بفيض المشاعر، مسار يمزج بين الحسّ الشعري والموروث الشرقي، وبين الحداثة التي تُنصت إلى العالم بأذن مغايرة.
“يا عيني كفاك ألم” ليست مجرّد مرثية، وليست مجرد نداء؛ إنها فعل مقاومة ناعم، ومساحة تتنفس فيها هوية امرأة عربية تحاول أن تضع خطواتها على أرضٍ تهتزّ، وتصرّ رغم ذلك على الوقوف.
هذه الأغنية تخترق الروح قبل أن تشنف الأذن وتظلّ، بعد انتهائها، معلّقة في الذاكرة كهمسٍ يحثّنا على أن نواجه الألم بفهمه وعلاقه حتى تجاوزه بعيدا عن الإنكار، وبقدر ما تُشعِر الأغنية المستمع بأن هناك حزنًا ضخمًا يتسلل عبر اللحن، فإنها تمنحه أيضًا نافذة للأمل.
“يا عيني كفاك ألم” هي أكثر من أغنية: إنها سيرة لحظة، ومانفستو امرأة تحاول أن تجد مكانًا في عالمٍ لا يهمّه أن يسمع شكواها، لكنها تصرّ على أن تقولها.
إنها وثيقة شعورية عن زمن عربي مضطرب، تتقاطع فيه الحروب مع الأنوثة، والقهر مع الأمل، والموسيقى مع الرغبة في أن يكون الإنسان حرًا.
ومع هذا العمل، تثبّت يال سولان حضورها كصوتٍ نسائي عربي لا يُشبه غيره، صوت ينسج من تجربته الخاصة مساحات تتجاوز حدود المحلية لتخاطب الإنسان أينما كان.
إنها فنانة تُعيد تعريف العلاقة بين الموسيقى والحقيقة، بين الفن والوجع، وترفع صوتًا يذكّر بأن الحرية ما تزال ممكنة رغم كل شيء ، وأن الأغنية يمكن أن تكون ميناء سلام حين يغدو العالم ضيقًا، وصرخة ناعمة لا تخفت مهما اشتدّ الظلام.