“الطريق المؤدي إلى المنزل أجمل من المنزل نفسه”، كلمات تقفز إلى بصيرتك وأنت تطالع معلقة فيلم “شجرة المساء” للمخرج عادل بكري الذي عرض ضمن الدورة السادسة والثلاثين لأيام قرطاج السينمائية.
هذه الكلمات الضاربة في إرث الشاعر محمود درويش تتحد مع قوس النصر الذي يتربع في قلب الآثار في أميدرة(حيدرة) وتصدح ذاكرة المكان بسيل من الحكايات التي تتقاطع فيها الذاكرة الشخصية بالذاكرة الجماعية.
باستهلال غنائي اختزن فيه صوت الفنانة روضة عبد الله تاريخ المكان وأنفاس من مروا عليه يحرك الفيلم خيوط الذاكرة في اتجاهات مختلفة ويختبر قدرة العاطفة على الصمود في وجه سعير الحنين.
نبرة غنائية تميز سكان الشمال الغربي وتحديدا المناطق التي تقع على الحدود التونسية الجزائرية، نبرة تحرك سواكن كل من صرخ صرخته الأولى هناك وشنفت آذانه أصوات النسوة وهن يركن للأغاني ليتخطين الواقع.
كل ذلك الشجن الذي يسكن الحناجر انهمر دفعة واحدة فيما تتهافت المشاهد من قلب حيدرة وتتجلى “شجرة المساء” بكل ثقلها وما تحمله من دلالات ورمزيات وتبدو امتدادا لكل تلك الشجرات التي تستبطن الخطوات والأنفاس والضحكات والعبرات.
إلى سنة 2013 تقفز الذاكرة، وتعانق الكاميرا آثار حيدرة المتناثرة كتناثر كل تلك الأحلام التي اختنقت حينما وئدت الثورة قبل أن تكمل خطواتها الأولى وتطل الشخصيات بملامح فسيفسائية تشبهنا جميعا.
في ذاكرة المكان، تنغمس القصة أكثر فأكثر وتتواتر الأحداث لتتبدى ملامح قصة مختلفة تتفرغ تفاصيلها لتلتقي عند الذكريات وعند الانتماء وعند الأرض التي تملأ رئتيك برائحتها حتى لا تظل الطريق إليها حينما تنقطع بك السبل.
أماكن التصوير في الفيلم، ليست فضاءات لتحرك الشخصيات فحسب بل بعض من ذاكرة المخرج وكثير من ذاكرات كل من مروا من حيدرة وكل ذاكرة المكان الذي ارتوت حجارته من الأحداث الغزيرة.
في محاكاة لواقع حيدرة التي لم يشفع لها تعتق التاريخ على جنباتها ولا أثر الثوار الذين عبروا منها ذات ثورات ضد الاستعمار في التغيير عقب الثورة، تبدو ملامح المدينة شاحبة ويمتد الشحوب إلى ملامح ساكنيها.
الإضاءة خافتة تنهل من الطبيعة قدر المستطاع، والظلال تتوسع كما توسعت خيبات الحالمين المؤمنين بالثورة، وكل الألوان منغمسة في التراب لا تقطع تدرجاتها إلا أغصان “شجرة المساء”.
و”شجرة المساء” في الفيلم تتخذ وجهين مختلفين، يتبديان مع تشكل ملامح الحكاية التي تضع الهوية والذاكرة في كفتين متعادلتين ولا تفرق بين الأجيال في مهمة حفظهما من غبار النسيان والتجاهل.
من تفاصيل بسيطة غير منمقة وغير متعالية، ينسج عادل بكري ملامح شخصيات لابد أن تشبهك من زاوية ما، ويضعها في قلب مكان يبدو شخصية متفرّدة بذاتها تهمس وتناجي وتثور وتربت على القلوب المثقلة بالوجع.
“كمال” (عادل بكري) شخص حالم يلاحق الأثر والذاكرة يعيش مع والدته، و”حبيبة”(جليلة الميساوي) ترعى شقيقها وورشة النسيج وتنتظر عودة زوجها محمد من إيطاليا، وشخصيات أخرى من اليومي المألوف تقتفي أثر الحياة.
تبدو المدينة مغرقة في الروتين والرتابة في إحالة إلى إعراض الدولة عنها وإغراقها في التهميش ولكنها تتخذ ملامح أخرى حينما تعود “عائشة” ( Anita Caprioli) من إيطاليا إلى قريتها حيدرة.
في رحلة البحث عن الجذور والأصول وقطعة الأرض التي ورثتها عن أهلها تتخذ القصة منحى آخر وتكتمل كل الصور المنقوصة في ذهنها عن والديها الذين رحلا ولم يتركا لها ما يكفي من الذكريات عن وطنها.
وعبر تقنية الفلاش باك، تتقاطع الذاكرة الفردية بالذاكرة الجمعية وتتراءى فظاعات الاستعمار الفرنسي في الجزائر والمقاومة التونسية الجزائرية المشتركة والعلاقات الإنسانية التي تشكلت في الأثناء.
ومع حضور “عائشة” تغيرت ملامح كثيرة وفي وجهها الأول توشحت “شجرة المساء” بخيوط الصوف التي اكتست كل ألوان الحياة وترن الأجراس من بين ثناياها لتبعد العصافير فيما اكتمل القمر في كبد السماء.
ولشجرة المساء أصل ثابت وفرع في السماء، يختزن الموروث من احتفالات وغناء ونسيج وغيرها من التفاصيل اليومية المغرقة في القدم والمتجذرة في المكان كوشم جداتنا الذي بات جزءا من بصيرتنا.
من سماتها تستمد كل الشخصيات تفاصيلها، وقد تبارح المكان لكنها لا تنفصل عنه روحيا، وتظل تنصاع لذلك الصوت الذي يدعوها إليه ولا تلبث أن تعانقه حقيقة ومجازا فبعض الأماكن رديفة الروح لا تنزعها عنك إلا الموت.
لأجل ذلك تتخذ “شجرة المساء” وجها آخرا حينما يلفها الغروب وتؤوي إلى جانب جذورها آخر ذكرى تحملها “عائشة ” لوالدتها وكأنها تخلق لنفسها ذاكرة في قلب مكان غادرته طفلة حينما اضطر والدها للهروب حتى لا يسجن لنضاله.
وبين الذاتي والموضوعي تتأرجح الحكايات وتقفز من بين ثناياها موضوعات قديمة متجددة ذات أبعاد ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية ويتجلى الجهل والتهميش والفقر والسياحة الحزبية والهجرة وغيرها.
وبين كل السوداوية التي تستدرها هذه الأبعاد يبرق الأمل في ألق القمر وهو يحرس خصلات الصوف، وفي وقع المطر وهي تعانق الأرض، وفي كتاب يؤوي ذاكرة المكان لم تلحقه ألسنة اللهب ذات حريق وفي الانتماء الذي لا يذوي مهما تباعدت المساحات.
ولعل ما يحسب لفيلم شجرة المساء أنه لا يختبر ذاكرتنا فحسب بل يراوغ عواطفنا ويحملنا إلى مسارات غير متوقعة على إيقاع سيناريو بسيط لكنه لا يخلو من الرمز والتلميح وأداء تمثيلي غير مفتعل ولا مبالغ فيه وتصوير يستنطق الحجارة.