في فيلم «ملكة القطن» تتابع المخرجة السودانية سوزانا ميرغني رحلة فتاة نحو وعيها بذاتها داخل مجتمع تحكمه قيود اجتماعية واقتصادية وسياسية متشابكة. الرحلة لا تتبدّى عبر خطاب مباشر أو شعارات جاهزة، بل من خلال رؤية حسّية تستشعر العالم بعيون مراهقة لم تكتشف بعد قسوته الكاملة، فتاة تقف في منطقة بين البراءة والأسئلة الأولى، وبين عالم يتغيّر من حولها دون أن تفهمه كليًا.
الفيلم ينسج موضوعات متعدّدة تتقاطع داخل الحكاية : حياة البنات السودانيات، وبنية المجتمع السوداني، وصناعة القطن بوصفها امتدادًا لتاريخ من الهيمنة الحديثة، عبر البذور المعدّلة وراثيًا التي لا تغيّر الزراعة فقط، بل تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والأرض، وبين الأفراد داخل المجتمع.
وفي حوار مع رياليتي أون لاين، إثر عرض الفيلم في أيام قرطاج السينمائية، تتحدّث سوزانا ميرغني عن خياراتها الجمالية، وعن الرؤية التي قادتها إلى بناء فيلم يرى العالم من زاوية مراهقة لم تصطدم بعد بكل قسوته، كما تتوقّف عند علاقة السينما بالفضاء الريفي والطبيعة، وعن تجربة التصوير خارج السودان بعد اندلاع الحرب، وتأثير غياب صناعة سينمائية متكاملة في السودان على المسارات الإبداعية.
في هذا الحديث تكشف كيف تتحوّل الحكاية الشخصية إلى مدخل لفهم واقع بلد بأكمله، وكيف يمكن للسينما أن تطرح أسئلتها الكبرى بهدوء، وبشاعرية، وبانحياز واضح للإنسان.
في «ملكة القطن» نتابع رحلة فتاة نحو الوعي بذاتها داخل مجتمع محكوم بقيود قاسية. كيف صغتِ هذه الرحلة سينمائيًا دون الوقوع في خطاب مباشر أو شعاراتي؟
بالضبط… في هذا الفيلم نحكي مواضيع كثيرة تدور حول البنت وحول المجتمع وصناعة القطن أيضا… كأننا نرى العالم بعيونها وهذه العيون عيون مراهقة لم تكتشف الدنيا القاسية والجائرة بعد … وهذه الدنيا نفسها امتداد لاحتلال حديث عبر البذور المعدلة وراثيا التي ستغير كل شيء في حيات الشخصيات والعلاقة بينهم وبين الأرض.
الأمن الغذائي من الأمن الوطني وينعكس على الذات والنفس؟
الفيلم يطرح المواضيع الكبيرة التي تتعلق بكل البلد ليست فقط القرية الصغيرة التي تقطن فيها هذه الفتاة
اخترتِ إيقاعًا هادئًا ولقطات طويلة تسمح بالتأمل. إلى أي حد يعكس هذا الخيار الجمالي موقفًا فكريًا ؟
أردتُ أن أحكي القصة بطريقة غير تقليدية لا أبحديات فيها، فيها لقطات تحاكي الشعر أوجدتها المصورة التونسية الفرنسية فريدا مرزوق .. الكاميرا تحب الضوء الطبيعي والحرية .. قررنا حينما تلعب البنات في الليل أن تكون الكاميرا حرة أيضا.. لكن ونحن في البيت كان هناك استقرار أكثر،
الطبيعة والبيئة الريفية في الفيلم ليست مجرد خلفية، بل عنصر درامي فاعل. كيف اشتغلتِ على تحويل المكان إلى شخصية ضمن السرد؟
المحزن أنه كان من المفروض ان نصور في السودان في 2020 صنعت فيلما قصيرا كتجربة وفي هذا الوقت اخترنا أماكن التصوير وفي يناير/جانفي 2023، ثلاثة أشهر قبل الحرب ذهبنا لتوظيب الأماكن ونعود للتصوير ولكن الحرب حصلت ، خسارة شديدة لأنه صار مفروض أن نبحث عن بلد آخر للتصوير ، البلد الأقرب للسودان من ناحية البيئة الطبيعية هو مصر ، النيل ومزارع القطن.
ومعظم الممثلين هربوا من الحرب إلى المصر ونحن أخذنا لهم الفيلم تميل أعمالك إلى الرمز والتلميح بدل المواجهة الصريحة. هل ترين في ذلك شكلًا من المقاومة الفنية أم ضرورة جمالية؟
في اي فيلم المهم الاختيار الفني الذي يعطي أكثر إحساس، ليس من الضروري أن يكون صادما، لو يثير الفيلم شعورك ويدفعك إلى التفكير في الموضوع أكثر حتى بعد الفيلم يكون وقعه أقوى…
شخصياتك النسائية قوية تتحرك داخل فضاءات محلية ضيقة. ما الذي يشدّك إلى هذه الشخصيات تحديدًا؟
في الفيلم شخصيات نسوية مختلفة، وأنا أصر على أن لا يكون هناك وجه واحد للمرأة السودانية، في الفيلم الأم المادية، والجدة التي تجمع النسوية والأبوية مع بعض وبنت صغيرة تفكر في كل ما حولها وماذا تريد أن تكون.
يتناول الفيلم قضايا حساسة مثل الختان والزواج المرتّب والاستغلال. كيف وازنتِ بين الصدق الفني واحترام السياق الاجتماعي والثقافي؟
في الفيلم مواضيع كثيرة كلها تشكل قاعدة الفيلم، حكاية القطن تتفرع منها حكايات كثيرة منها التاريخية والاستثعار البريطاني ومستقبل البذور المعدلة وراثيا… وحكاية البنت تتفرع منها مواضيع أخرى على غرار الختان والزواج المرتب … لما نحكي عن حياة بنت من قرية سودانية يجب أن تظهر هذه المواضيع لكنها لا تكون الموضوع الأساسي
قلتِ في تصريحات سابقة إن السودان لا يملك صناعة سينمائية بل أعمالًا سينمائية متفرقة. كيف أثّر هذا الواقع على خياراتك الإبداعية والإنتاجية؟
اعتقد نعم… لا يوجد لنا نماذج.. كل شخص يأتي برؤيته الخاصة .. ليس لدينا سرد أساسي.. لدينا ما نفكر فيه كإنسان كفرد
في غياب المرجعيات السودانية، كيف تمضون؟
السينما لغة عالمية، لا يجب أم يكون التأثير نابع من بلدك، طبعا التأثير الأول من مصر أو من هوليود او فرنسا… الآن صرنا نعرف أكثر عن تاريخ السينما السودانية
ماذا عن الدعم والتمويل؟ وهل هناك ضغوطات تتعلق بفرض كتابة معينة ؟
مهم جدا الحديث عن هذا… بالنسبة كتبت السيناريو قبل مشاركته مع أي من المنتجين.. المنتجين أحبوا القصة وهم من جاءوا إلي.. لم أكتب من أجلهم..
هناك خطر كبير فعلا اسمع قصص كثيرة عن الضغط …
بالنسبة لي المنتجة الفلسطينية آن ماري جاسر أول من شاركت في الإنتاج وشجعتني.. وفيلمي سوداني عربي فيه سبع بلدان مشتركة
هل ستستمرين في رواية القصص من منظور نسوي؟
انا أحب أن أتناول صناعة وداخلها إنسان خاصة فتاة لأرى كيف تكون العلاقة بينها وبين البلد…
يشار إلى أن المخرجة السودانية سوزانا ميرغني قد حازت على جائزة ” TV5 Monde” لأفضل عمل أول لفيلم طويل، عن فيلمها “ملكة القطن”، وذلك ضمن فعاليات مهرجان أيام قرطاج السينمائية (JCC) ديسمبر 2025.