محمد مهدي طباخ *
أثار القرار الصادر بالرائد الرسمي عدد 10 لسنة 2026، القاضي بإنهاء مهام السيدة أسماء السحيري العبيدي من الإشراف على الكتابة العامة لشؤون البحر، جدلاً واسعاً وردود أفعال متباينة في وسائل الاعلام وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وصلت حدّ السخرية والتهكّم، إضافة للتساؤل حول خلفيات القرار ودلالاته الإدارية وربّما السياسية.
فالقرار، الذي بدا في ظاهره إجراءً إدارياً عادياً يتعلّق بإنهاء مهمّة موظفة سامية، تحوّل في ظرف وجيز إلى موضوع نقاش عام، بالنظر إلى الأقدميّة في المنصب، والامتيازات الممنوحة، والى ضبابية مهام الهيكل الذي كانت تشرف عليه.
السيدة أسماء السحيري، التي شملها القرار الأخير، ليست شخصية مغمورة في الإدارة التونسية أوالمجال البحري، فهي مختصّة في القانون عام، وعضو لعدّة سنوات باللجنة الوطنية لقانون البحار، تولّت الاشراف على المدرسة الوطنية للإدارة، وشغلت مناصب وزارية متعدّدة في حكومة السيد إلياس الفخفاخ. كما عُرف عنها دفاعها عن تطوير الحوكمة البحرية وتحديث التشريعات ذات الصلة بقانون البحار، بما يتماشى مع المعايير الدولية.
وبالعودة إلى النصوص القانونية، فإنّ الكتابة العامة لشؤون البحر، التي تمّ إحداثها بموجب الأمر الحكومي عدد 144 لسنة 2019، جاءت لضمان الحدّ الأدنى من التنسيق الحكومي فيما يتعلّق بالتشريعات في المجال البحري، من خلال تعهدّها بالإشراف على أعمال اللجنة الوزارية لشؤون البحر. وهذه اللجنة، تعدّ في حدّ ذاتها، بمثابة حكومة مصغّرة، لا فقط من حيث عدد الوزارات الممثّلة فيها، وانّما أيضا من حيث الصلاحيّات الموكولة لها. حيث عوّضت ” اللجنة الاستشارية للأنشطة البحرية” المحدثة بموجب الأمر 1836 – 1997 و”اللجنة الوطنية لقانون البحار” المحدثة بموجب الأمر1687-2000، وصارت عبارة عن فضاء تنسيقي بين مختلف الوزارات المتدخّلة في المجال البحري، من نقل وفلاحة وبيئة وسياحة إلى الطاقة والدفاع والأمن. وهي بذلك شكّلت حلقة محورية، نظريّا، لضمان الانسجام في السياسات العمومية المتعلقة بالبحر، وإطاراً مرجعياً لتطبيق التزامات تونس الدولية في هذا المجال.
رغم ذلك، لم يحظَ هذا الهيكل بالاهتمام الكافي من الرأي العام، بل إنّ العديد من المهتمّين بالشأن البحري تفاجؤوا بوجود لجنة وزارية قائمة تُعنى بشؤون البحر ويشرف على كتابتها العامّة موظّف سامي برتبة كاتب دولة. هذا الغموض الإداري، على حدّ قول بعض المتابعين، يعكس ضعف التواصل الرسمي وضعف الرؤية الاتصالية للكتابة العامة منذ تأسيسها. فالمهام التي أُسندت إليها كانت طموحة من حيث النصّ، لكنها وجدت نفسها عملياً محاصرة بين ضعف الصلاحيات، وغياب دعم سياسي وإداري فعلي.
ولا يمكن فصل هذا القرار عن المناخ السياسي والإداري الذي تعرفه البلاد حالياً، حيث تشهد عدة مؤسسات حكومية مراجعات هيكلية وتغييرات متتالية تطال مناصب عليا، وإلغاء الهياكل التي لا تُثبت نجاعة أو مردودية واضحة. وهو ما ذهب اليه بعض المتابعين واعتبروا أن هذا القرار هو أحد مخرجات الاجتماع الذي أشرف عليه رئيس الدولة في 23 جانفي 2026 . بينما اعتبر البعض الآخر أن قرار الاعفاء هو من تداعيات المجلس الوزاري المضيّق الذي خُصّص للنظر في تطوير قطاع الصناعات البحري والذي انعقد في 04 ديسمبر2025 في القصبة. في حين ذهب البعض الآخر الى ربط هذا الاعفاء بالتقلّبات المناخية الأخيرة التي عرفتها البلاد والأضرار الجسيمة التي شهدتها بعض المدن الساحلية، معتبرين أن السلطات أرادت تحميل المسؤولية لهيكل لم يتمكن من توقّع الآثار والحدّ من الأضرار التي انجرّت عن هذا الحدث المناخي.
وبين هذه التفسيرات وغيرها، يبدو أن الحقيقة أكثر تعقيداً. فالمعضلة الأولى ليست في شخص المسؤول بقدر ما هي في محدودية الإمكانيات المادية والبشرية لهياكل الدولة، لا سيما تلك المستحدثة التي لم تمتلك بعد ثقلاً مؤسساتيًّا أو سنداً تنفيذيّا حقيقيّا. فالكتابة العامة لشؤون البحر تعاني، حسب معطيات غير رسمية، من نقص حادّ في الإطار البشري والكفاءات المتخصّصة، باعتبار أفقيّة المجال وضرورة تعويله علي خبراء من قطاعات مختلفة. كما عانت الكتابة العامّة من صعوبات في التنسيق بين الوزارات التي كثيراً ما تتمسّك بصلاحياتها القطاعية ولا تتفاعل بجديّة مع هذه الهيئة التنسيقية.
كما غابت لدى هذا الهيكل، وفق ما لاحظناه، سياسة تواصل فعّالة تجعله قريباً من المتدخّلين في القطاع (المجتمع المدني، الجامعيون، المهنيّون، الخبراء). ففي غياب هذه الجسور، ظلّ نشاط اللجنة محدود الأثر، وفاقدا للمصداقيّة، ولم يتمكّن من تحريك الملفّات ذات الصّلة مثل النهوض بالاقتصاد الأزرق، رغم ما لذلك من أهمية اقتصادية وبيئية، بالإضافة الى تطوير الإستراتيجية الوطنية في المجال البحري، التي كان من المقرّر عرضها على أنظار مجلس وزاري في أوائل هذه السنة.
وتجدر الإشارة إلى أنّنا نبّهنا في أكثر من مناسبة إلى هذا الوضع. ففي مقال منشور بجريدة “الصباح” بتاريخ 21 أفريل 2024، تمت الإشارة بوضوح إلى حالة “الشلل الوظيفي” التي تعرفها الكتابة العامة، وإلى ضعف التنسيق بين الفاعلين في المجال البحري، مع الدعوة إلى فتح حوار جدّي ومسؤول بين جميع المعنيّين من أجل إيجاد استراتيجية وطنية لحوكمة المجال البحري. وقد مرّ أكثر من عام على تلك الدعوة دون إصلاحات ملموسة أو مراجعة منهجيّة لأدوار وصلاحيات اللجنة وطريقة عمل كتابتها العامّة.
من جهة أخرى، لا يمكن إغفال غياب الرؤية الواضحة والصعوبات الهيكلية التي ترافق إدارة الشأن البحري في تونس منذ سنوات. فالإشكال الأساسي يتمثل في تشتّت المسؤوليات بين وزارات متعددة، كلٌّ منها يعمل بمنطق قطاعي ضيّق، ما يجعل التنسيق بينها عملياً شبه مستحيل. وهو ما يفسّر محدوديّة نتائج اللجنة الوزارية حتى وإن توفّرت لها الإرادة السياسيّة.
أمّا فيما يتعلق بمسألة الإعفاء، فإنها تُعيد طرح سؤال المسائلة: هل فشل الأفراد أم فشلت المنظومة؟ وهل يكفي تغيير الأشخاص لتحقيق النجاعة؟ الإجابة، كما يراها الجميع، ترتبط بمدى قدرة الدولة على تحديد أولويّات واضحة وخلق مناخ إداري يقوم على الكفاءة والمحاسبة والشفافية. فبدون ذلك، ستظلّ التغييرات مجرّد حركات شكليّة لا تمسّ جوهر الإشكال.
ختاماً، فإنّ قضية الكتابة العامة لشؤون البحر تطرح أكثر من إشكال وتتخطّى الاشكال الوظيفي. اذ أنّها تكشف عن أزمة حوكمة داخل الجهاز التنفيذي تتجاوز الاعفاء، إلى سؤال أعمق حول كيفية إدارة الشأن العام في البلاد. فالبحر، الذي شكّل على مدى قرون نافذة تونس نحو العالم ومصدراً لثرواتها، يستحق رؤية وطنية شاملة تُترجم في مؤسسات فعّالة وسياسات عموميّة متناسقة. وإلاّ سيبقى مجرّد ملف ثانوي، تُدار حوله المناصب أكثر مما تُدار فيه المشاريع.
دون السقوط في سرديّة “وزارة البحر” التي وُجدت في تونس خلال الحقبة العثمانية، وبالنظر للتجارب المقارنة في دول نجحت في كسب هذا الرهان، فقد صار من البديهي أن نقترح اعادة النظر جذرياً في التنظيم المؤسسي لهذا القطاع الحيوي، من خلال إحداث “وزارة” أو “هيئة وطنية لشؤون البحر” ، أو تطوير “الكتابة العامّة الشؤون البحر” لتكون لها صلاحيات حقيقية وميزانية خاصّة، وتعمل على بلورة رؤية استراتيجية طويلة المدى تشمل مجالات البيئة البحرية، النقل، الاستكشاف، الطاقة، السياحة، البحث العلمي، الاقتصاد الأزرق وسياسة تونس الدفاعية والأمنية. مثل هذا الاقتراح قد يبدو مثالياً في الظّاهر، لكنه يبقى أكثر واقعيّة من الاستمرار في إدارة قطاع استراتيجي متشعّب بأدوات مؤسساتية محدودة وعاجزة.
محمد مهدي الطبّاخ مختصّ في شؤون الغوص وعضو الكتلة البحرية التونسية