“لو كان بالإمكان، لصفّحتُ أولادي أيضا”، تقول سيرين كما أردنا تسميتها، ثلاثينية وأم لطفلين ولم تنجب بنات، دون تردد. أنها خضعت للتصفيح وهي في السادسة من عمرها، ولا تزال تتذكر الطقس الذي جرى قبل زفاف خالتها، حين جُمعت مع بنات خالاتها في غرفة مغلقة لتنفيذ ما اعتبرته آنذاك إجراء عائليا عاديا. لم يكن هناك نقاش أو استشارة، بل تقليد يُمارس كما مارسوه على الأمهات والجدّات من قبل.
اليوم، لا تمثل سيرين حالة معزولة، إذ تعتبر بعض النساء التصفيح أمرا طبيعيا، بل ضرورة للحماية، في مقابل أصوات أخرى ترى فيه شكلا من أشكال العنف الرمزي والضبط الاجتماعي الذي يطال شخصية الفتاة منذ طفولتها.
من هنا يبدأ سؤالنا هل التصفيح حماية فعلا، أم أنه شكل من أشكال الضبط والعنف الرمزي الذي يتخفّى في صورة الطمأنينة؟
التصفيح في الموروث التونسي
تقول سيرين إن الطقس جرى قبل زفاف خالتها، في يوم كانت العائلة مجتمعة فيه. أُحضرت امرأة معروفة في الجهة بتولّي هذا النوع من الطقوس، وجُمعت هي مع ابنة خالتها التي كانت تبلغ عشر سنوات، وابنة عمّها التي كانت في الخامسة. تتذكر أن الأمر بدا عاديا في حينه، أشبه بجمعة عائلية مألوفة لا تناقش، بل تنفّذ كما جرت العادة.
تضيف أنهنّ أعطوهن الزبيب ليأكلنه بعد انتهاء الطقس، في إطار المراسم المتعارف عليها. لم يكن هناك نقاش أو استشارة، بل كان الأمر يُنظر إليه كجزء من التقاليد التي تخضع لها جميع فتيات العائلة، كما حدث مع والدتها وخالاتها وقريباتها. تقول
“لم أفهم المعنى الحقيقي إلا حين بلغت الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمري”.
ورغم مرور السنوات، لا ترى سيرين في التصفيح اعتداء عليها، بل تعتبره شكلا من أشكال الحماية. وتوضح أن ما يحدث اليوم من اعتداءات وعنف يجعلها تنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة
تعترف أن رأيها قد يبدو صادما للبعض، لكنها تراه نابعا من الخوف لا من القناعة العمياء بالتقاليد. وتشرح أن في جهتها توجد أكثر من طريقة للتصفيح فهناك من يقوم به عبر “السداية”، أي قطعة المنسج التي تعبرها الطفلة ذهابا وإيابا مع ترديد العبارة المعروفة “بنتنا حيط وولد الناس خيط”. وهناك طريقة أخرى تُعرف بـ”السبع جرحات”، حيث تُجرح ركبة الطفلة سبع مرات، وتُخلط قطع الزبيب بقطرات من دمها قبل أن تتناولها، ويتم ذلك قبل سنّ البلوغ.
وتشير إلى أن الطقس يُرافقه خطاب يؤكد أن الفتاة، حتى لو وُضعت في موقف اعتداء أو محاولة استغلال، فإن “التصفيح” يحميها، وأن الرجل بحسب الاعتقاد الشعبي لن يتمكن من إتمام الفعل. أما قبل الزواج، فيُعاد الطقس نفسه ولكن بعبارات معكوسة، فيتحول القول إلى “أنا خيط وولد الناس حيط”، في إشارة إلى “فكّ” التصفيح.
شهادة سيرين تكشف زاوية مختلفة في هذا العمل، فالتصفيح، بالنسبة لبعض النساء اللواتي خضعن له، ليس قيدا بل طمأنة. ليس هندسة اجتماعية للجسد بقدر ما هو، في نظرهن، درع رمزي في وجه خوف واقعي من العنف. وهنا يعود السؤال مجددا، هل الحماية التي يمنحها التصفيح نفسية فحسب، أم أن أثره يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل علاقة المرأة بجسدها منذ الطفولة؟
إذا التصفيح هو مراسم تخضع لها الطفلة عادةً قبل سنّ البلوغ، ويُعتقد وفق المخيال الشعبي أنّه “يغلق” جسدها ويحميها من أي علاقة جنسية إلى حين الزواج.
إن الاعتقاد السائد وراء هذه الممارسة هو أن الطفلة تصبح “محصّنة” ضد أي علاقة جنسية، وأن هذا “الإغلاق” لا يُفتح إلا بإعادة الطقس أو بعبارات معاكسة قبيل الزواج، مثل “أنا خيط وولد الناس حيط”.
التصفيح منظومة رمزية متواصلة
رغم تراجعه، لا يزال حاضرا في المجتمع التونسي. حيث أظهرت دراسة علمية نشرت سنة 2024 تحت عنوان “طقوس التصفيح في تونس”، نُشرت في مجلة الطبّ الجنسي أن هناك 8.62٪ منهن صرّحن بأنهن خضعن لهذه العملية في طفولتهن.
واللافت في النتائج أن أغلب الفتيات اللواتي خضعن للتصفيح يحملن مستوى تعليميا جامعيا ودلك بنسبة 71٪. ولفهم هذه الظاهرة، لا يمكن عزلها عن السياق الثقافي والاجتماعي الذي نشأت فيه. فهي لا تقوم فقط على فعل محدد، بل على تمثّل جماعي يعتبر أن جسد الأنثى مجال يجب حراسته وضبطه.
في المجتمعات التقليدية، كان الشرف يُختزل في عذرية الفتاة ، وأي مساس بها يُعدّ مساسا بالعائلة بأكملها. في هذا الإطار، ظهرت طقوس رمزية مثل التصفيح كآلية “وقائية”، تمنح العائلة شعورا بالاطمئنان والسيطرة.
اللافت أن الطقس يُنفَّذ غالبا من قبل النساء أي الأم، الجدة، الخالة، أو نساء الحيّ. وهو ما يكشف عن دور النساء أنفسهن في إعادة إنتاج هذا الموروث، ليس بالضرورة اقتناعا بجدواه، بل أحيانا بدافع الخوف أو الامتثال لضغط اجتماعي.
الجسد أمانة جماعية لا ملكية فردية
تقدّم الباحثة في النوع الاجتماعي سحر دحمان قراءة عميقة للتصفيح، تنقله من مستوى 3العادة الشعبية3 إلى مستوى البنية الثقافية.
تقول دحمان إن جسد الفتاة العذراء في المتخيّل التقليدي لم يُنظر إليه يوما ككيان بيولوجي فحسب، بل كمساحة رمزية تُسقط عليها رهانات الشرف والانتماء. لم يكن الجسد ملكا لصاحبته، بل “أمانة جماعية”، يحمل اسم العائلة وسمعتها.
وتؤكد أن الجنسانية هنا لا تُفهم في بعدها الفيزيولوجي فقط، بل في بعدها الرمزي. العذرية لا تُختزل في غشاء، بل تتحول إلى قيمة اجتماعية، إلى رأس مال أخلاقي.
المفارقة، كما تشير الباحثة، أن الجسد العذري يُصوَّر في الوقت نفسه طاهرا ومهدَّدا. نقيا، لكنه قابل للانتهاك. من هذا التوتر يولد القلق، ومن القلق تولد آليات الضبط.
والتصفيح، في هذا السياق، ليس مجرد طقس، بل أداة لإغلاق الجسد وتأجيله. هو إعلان ضمني بأن الجنسانية الأنثوية طاقة ينبغي تنميطها.
وترى دحمان أن هذا يدخل ضمن ما يسمى بالهيمنة الرمزية وهو حين تُقنع الفتاة بأن جسدها خطر محتمل، وأن قيمتها مرهونة بسلامته، فإنها تستبطن الرقابة وتعيد إنتاجها على ذاتها.
وتطرح سؤالا جوهريا ألا وهو
“هل كانت الفتاة المصفّحة محمية فعلا؟ أم كانت محاصَرة داخل نظام يجعل من جسدها موضوع قلق دائم؟”
حين يتحول الجسد إلى مساحة قلق دائم
لا يقتصر التصفيح على كونه طقسا رمزيا مرتبطا بالتصورات الثقافية للشرف والعذرية، بل يمتد أثره إلى البنية النفسية للطفلة التي تُخضع له. في هذا السياق، توضّح الأخصائية النفسية إيناس الشعنبي أنها ممارسة طقوسية كما أسمتها تُجرى غالبا في سنّ مبكرة، بين السادسة والثامنة، أي قبل أن تمتلك الطفلة تمثّلا واضحا للجنس أو لمعانيه.
تبيّن الشعنبي أن الرسالة الضمنية التي تُزرع في وعي الطفلة هي أن جسدها يحمل خطرا ينبغي التحوّط له، وأنه ليس ملكا فرديا خالصا لها، بل مسؤولية جماعية تستوجب الرقابة والسيطرة. وبهذا المعنى، يتحول التصفيح إلى آلية رمزية لضبط القلق الاجتماعي المرتبط بجسد المرأة، خاصة في المجتمعات التي يحتل فيها مفهوم الشرف موقعا مركزيا كما الحال في مجتمعنا.
وتشير إلى أن الطفلة، رغم عدم إدراكها الكامل لدلالات التصفيح، تستبطن رسالة مفادها أن في جسدها شيئا قابلا للتهديد أو الخطأ، دون أن تفهم طبيعة هذا التهديد. هذا الغموض قد يخلق قلقا غير محدد المعالم، يتحول مع الزمن إلى شعور دائم بالحذر والمراقبة الذاتية. فيصبح الجسد مساحة تستوجب الانتباه المستمر، وجزءا حساسا قد يترتب عليه “مصير” الشرف العائلي.
خلال مرحلة المراهقة، حيث تتشكل الهوية الأنثوية وتبرز التحولات الجسدية والرغبات الطبيعية، قد يظهر صراع داخلي بين نمو الرغبة وبين الخوف المرتبط بها. فإذا كانت الفتاة قد تربّت على فكرة أن جسدها ينبغي أن يُغلق ويُحمى من الاختراق، فقد تشعر بالذنب أو القلق تجاه أي إحساس بالرغبة أو الفضول الطبيعي.
أما عند الزواج، فإن الانتقال المفاجئ من منطق المنع الصارم إلى منطق الإباحة الكاملة قد يخلق توترا نفسيا لدى بعض النساء، خاصة إذا لم تُبنَ علاقة إيجابية مع الجسد. وقد يتجلّى ذلك في صعوبة الاسترخاء أثناء العلاقة الحميمية، أو في توتر عضلي غير واعٍ، أو في شعور بالذنب وعدم الارتياح، بل وقد يساهم أحيانًا في ظهور اضطرابات وظيفية مرتبطة بالعلاقة الزوجية.
وتخلص الشعنبي إلى أن التصفيح، وإن بدا في ظاهره طقسا تقليديا بسيطا، فانه يحمل في عمقه أبعادا نفسية معقدة، تؤثر في صورة الجسد، وفي علاقة المرأة بأنوثتها، وفي تمثلاتها للحميمية والرغبة لسنوات لاحقة.
التكييف القانوني للتصفيح
تعتبر المحامية لدى الاستئناف الأستاذة منال السعدي أن التصفيح “ظاهرة جاهلية” تمارس في بعض المجتمعات العربية، وما تزال موجودة في تونس إلى اليوم، وتندرج ضمن ممارسات سحرية تُسلَّط على فتيات قاصرات بدعوى حماية عذريتهن.
وتوضح أن الأولياء الذين يلجؤون إلى من يمارسون هذه الطقوس يفعلون ذلك اعتقادا بأن أعمالا سحرية قادرة على “إغلاق” غشاء البكارة إلى حين الزواج، ليُعاد لاحقا “فكّ” هذا السحر بالطقوس نفسها. غير أن هذه الممارسات، وفق توصيفها، تمثل خطرا حقيقيا على الطفلات، إذ قد تتضمن أفعالا تمسّ بسلامتهن الجسدية مثل الجرح أو تعريضهن لممارسات مؤذية، فضلا عن قراءة طلاسم وأقوال ذات طابع شعوذي.
قانونيا، تشير إلى أن المشرّع التونسي لا ينصّ صراحة على تجريم السحر أو الشعوذة، غير أن التكييف القانوني لا يعتمد على التسمية الشعبية للفعل، بل على نتائجه المادية. فإذا ترتب عن التصفيح ضرر جسدي أو نفسي، فإنه يمكن أن يُكيَّف ضمن العنف المسلط على الأطفال وتعريضهم للخطر، استنادا إلى القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة.
كما يمكن، في حال وجود مقابل مادي، أن يندرج الفعل تحت طائلة الفصل 291 من المجلة الجزائية المتعلق بجريمة التحيل، باعتبار أن المشعوذين يستعملون وسائل احتيالية وخزعبلات لسلب أموال الغير.
في النهاية التصفيح، مهما اختلفت تسمياته أو طرق ممارسته، يظلّ تعبيرا عن قلق اجتماعي عميق تجاه جسد المرأة وجنسانيّتها. قد يمنح بعض العائلات شعورا بالطمأنينة، لكنه في المقابل يرسّخ فكرة أن جسد الفتاة خطر ينبغي إغلاقه ومراقبته. وبين الحماية المفترضة والضبط الفعلي، تضيع الطفلة داخل معادلة لم تخترها. لذلك فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على الطقس، بل أن يمتد إلى التربية، والثقة، والقانون، وإعادة تعريف مفهوم الشرف خارج منظومة جسد النساء.
الصورة: مولدة بالذكاء الاصطناعي