ليست الموسيقى التصويرية في الدراما مجرّد خلفية للصورة، ولا زينة سمعيّة تأتي بعد اكتمال المشاهد، بل هي في جوهرها كتابة موازية، وسردٌ آخر ينساب بين اللقطات ويمنح الشخصيات ظلالها العاطفية العميقة.
ومن هذه الزاوية تحديدا، يمكن قراءة تجربة الفنان كريم ثليبي في إشرافه على الموسيقى التصويرية لمسلسل “حياة” إخراج قيس الماجري وأيضا سلسلة “باب البنات… صبرية في السبعينات” إخراج زياد ليتيم.
والموسيقى التصويرية في العملين الذين يعرضان على القناة الوطنية امتداد لمسار بدأه ثليبي في أعمال سابقة مثل “تخيّل” بنُسَخه المختلفة و“الخيل والليل والبيداء”، حيث تتشكّل بصمته الخاصة عبر موسيقى تولد من الفكرة قبل أن ترافقها.
في “حياة” اختار الفنان الفيلسوف أن يكون الجينيريك مدخلا تأويليا واقتراحا جماليا يضع المتفرّج منذ اللحظة الأولى في مناخ درامي مشحون بالأسئلة.
جريمة القتل مطموسة المعالم ورحلة البحث عن الحقيقة تتبدى في الموسيقى التي تؤسس للغموض من خلال نغمات مشدودة، وإيقاع متدرّج، ومساحات صوتية تترك أثرا من الترقّب.
اللافت في هذا الجينيريك هو استلهامه لروح الجنوب التونسي، وتحديدا مناخ “سطوط” بما يحمله من زخم روحي وشعبي.
وحينما يتسرب اللحن من قلب الجنوب، فإنّه لا يأتي محايدا بل محمّلا بذاكرة الأرض، وبنبرة الحكّائين الذين يتوارثون القصص جيلا بعد جيل.
هذه الروح ترجمتها الموسيقى عبر مزج بين الآلات الشرقية واللمسة الأوركسترالية التي خطّتها مجموعة “كادونس محمد بوسلامة”، بالإضافة إلى ناي حسين بن ميلود، وأصوات صابر رضواني، وسيرين هرابي، ونجوى عمر، ورضا المحمدي.
ومع المجموعة الصوتية بقيادة هيثم القديري، يتجاوز كلّ صوت الأداء المنفصل ليغدو خيطا في نسيج سمعي متكامل.
تقنيا، يراهن ثليبي على بناء تصاعديّ من همس النوتة الأولى إلى كثافة التوزيع، قبل أن تأتي لمسة الميكساج التي أوجدها بشير غربال لتمنح العمل عمقه النهائي.
وبين الفكرة الأولى وأدقّ تفصيلة صوتية، يتشكّل “العالم الموازي” للمسلسل وهو عالمٌ يكشف ما لا تقوله الشخصيات ويمنح المشاهد إحساسا يسبق الفهم.
وخصوصية الموسيقى في “حياة” لا تقف عند جينيريك البداية، فاختيار أن يكون لكلّ حلقة جينيريك نهاية مختلف، يتبدّل بحسب تطوّر الأحداث، هو رهان إبداعي جريء.
نحن أمام عشر حلقات، وعشرة اقتراحات موسيقية تتفاعل يوميا مع تحوّلات القصة، في خيار يعكس وعيا بدور الموسيقى كعنصر حيّ، يتغيّر مع تغيّر مصائر الشخصيات.
إنّه نوع من الكتابة الموسيقية المتحرّكة، التي تواكب الإيقاع الدرامي وتعيد تشكيله وتتحدى القوالب الثابتة التي تتكرر دون مساءلة.
وإذا كان “حياة” ينتمي إلى الدراما الاجتماعية ذات الظلال الرومانسية، فإنّ “باب البنات” يفتح أفقا زمنيا آخر، يعود إلى سبعينات القرن الماضي.
في هذا العمل، الذي انطلق من فكرة وجيهة الجندوبي وكتبت سيناريوه سامية عمامي وأخرجه زياد ليتيم، يصبح التحدّي الموسيقي مضاعفا فكيف نستحضر زمنا له إيقاعه الاجتماعي والثقافي دون الوقوع في النوستالجيا السطحية؟
هنا يتجلّى دور الموسيقى كجسر بين الذاكرة والراهن فاستحضار سبعينات تونس لا يعني استنساخ أغانيها، بل التقاط روحها من إيقاع الشارع، ونبض البيوت، والتحوّلات الاجتماعية التي كانت تختمر آنذاك.
الموسيقى، في هذا السياق، تصبح أداة لإعادة بناء الفضاء الدرامي، تماما كما فعل فريق الماكياج والأزياء بقيادة سليم عاشور وأيمن ستيفي في إعادة تشكيل المظهر البصري للشخصيات في اشتغال جماعي على الذاكرة، تكون فيه الموسيقى ضلعا أساسيا.
ومنذ تجربته في “تخيّل” بتلويناتها المختلفة تجلى ميل ثليبي إلى التجريب في البنية الصوتية، وإلى كسر القوالب الجاهزة، وإلى البحث عن معادل موسيقي للفكرة الفلسفية التي يحملها العمل.
في “الخيل والليل والبيداء” اقترب من ملحمية الصورة، ومنحها بعدا إيقاعيا واسع النفس، أما في “حياة” و”باب البنات”، فإنّه يمزج بين الملحمي والحميمي، وبين الأوركسترا والصوت الفردي، وبين الجملة الموسيقية الممتدة والتفصيلة الدقيقة.
وهذا المزج يخدم المشهد، ويقترح قراءته فيتحوّل الجينيريك إلى لحظة انتظار يومي، وتصبح موسيقى النهاية مرآة لتحوّل الأحداث، ويظهر الوعي بوظيفة الصوت في الدراما التلفزيونية المعاصرة.
والموسيقى التي يشرف عليها كريم ثليبي لا تكتفي بمرافقة الحكاية، بل تكتبها بطريقتها، ومن الجنوب التونسي بنبرته الروحية، إلى سبعينات “باب البنات” بذاكرتها الاجتماعية، تتنقّل الألحان بين الأزمنة والأمزجة، حاملة في طيّاتها أسرار القصة.
وبين النوتة الأولى ولمسة الميكساج الأخيرة، تتشكّل روح العمل، ليصبح الصوت شاهدا على الصورة، وشريكا في صناعة المعنى.
وفي دراما تبحث عن التجدّد، تظلّ الموسيقى التصويرية أحد مفاتيحها الخفية.
ومع تجارب مثل “حياة” و”باب البنات”، يبدو أنّ هذا المفتاح قد وجد من يحسن استخدامه، ليحوّل اللحن إلى سرد آخر… سرد يُلامس القلب قبل الأذن.