ثمّة عودات تمرّ مرور الكرام، وثمّة عوداتٌ تهزّ الوجدان العام، كأنّ الشاشة نفسها تستعيد شيئا من هيبتها القديمة وعودة الممثلة القديرة لمياء العمري عبر مسلسل “الخطيفة” تنتمي إلى الصنف الثاني.
لم تكن مجرّد مشاركة في عمل درامي جديد، بل كانت حدثا قائما بذاته، استقبلَه الجمهور بكثير من الحفاوة والحنين، وكأنّ الزمن استدار قليلًا ليصافح وجها لم تغب صورته عن الذاكرة.
وغياب لمياء العمري عن الشاشة لم يكن غيابا عن القلوب، على العكس، بدا وكأنّ المسافة زادت وهج الحضور، وأعادت ترتيب العلاقة بين الممثلة وجمهورها على أساسٍ من الشوق والانتظار.
في زمنٍ تتكاثر فيه الوجوه بسرعة، وتستهلك فيه الأدوار كما تُستهلك الأخبار العابرة، ظلّ اسم لمياء العمري محتفظًا ببريقه الخاص، لأنّه ارتبط في الوعي الجماعي بمعنى الجودة والحرفية والالتزام بفنّ التمثيل بوصفه مسؤولية لا مجرّد ظهور.
منذ اللحظات الأولى لظهورها في الحلقة الأولى من “الخطيفة” من إخراج سوسن الجمني، كان واضحا أنّنا أمام ممثلة تعرف جيّدًا ماذا تفعل أمام الكاميرا.
لم تدخل المشهد باعتبارها “نجمة عائدة” تستعرض حضورها، بل باعتبارها شخصية درامية من لحم ودم، لها تاريخها الداخلي وصراعاتها الصامتة.
هذا الوعي بالفصل بين الشخص والشخصية هو أحد أسرار قوّتها فهي لا تؤدّي الدور، بل تسكنه، لا تفرض نفسها على النص، بل تتوارى قليلًا لتفسح المجال للشخصية كي تتشكّل بحرّيتها.
حملت العمري عبء الحلقة الأولى على كتفيها بثقة هادئة وأداؤها لم يكن صاخبا أو مفتعلا بل اتّسم بصدقٍ داخلي يتسرّب إلى المتفرّج دون وسائط.
نظرة محسوبة، وصمتٌ طويل، ونبرة صوت تتكسّر في اللحظة المناسبة… تفاصيل صغيرة صنعت أثرا كبيرا وهنا تكمن خبرة السنين؛ في القدرة على الاقتصاد في الانفعال، وفي معرفة أنّ الكاميرا تلتقط ما وراء الكلمات.
والحديث عن جودة أدائها لا ينفصل عن الحديث عن فهمها العميق لبنية الشخصية ففي “الخطيفة”، لا تقدّم لمياء نموذجا نمطيا جاهزا، بل شخصية مركّبة، تتأرجح بين القوة والهشاشة، بين التظاهر بالثبات والخوف من الانكسار.
هذه الازدواجية أدّتها بحسّ عال وتوازن واضح فلا هي دفعت بالشخصية نحو المبالغة الميلودرامية، ولا هي جرّدتها من توتّرها الداخلي.
لمياء العمري تركت مسافة كافية ليتنفّس الدور، فبدت شخصية “خديجة” حقيقية، قابلة للتصديق، وقادرة على إثارة التعاطف دون استجدائه.
والجمهور، الذي عبّر عن ترحيب واسع بعودتها، لم يكن يحتفي بشخص لمياء العمري فقط، بل كان يحتفي بفكرة “الممثل الحقيقي” في زمن اختلطت فيه المعايير.
ثمّة شعور عام بأنّ الساحة الدرامية امتلأت في السنوات الأخيرة بأسماء لم تمرّ بالمسار الطبيعي للتكوين والتراكم، فصار الحنين إلى جيلٍ تشكّل في مدرسة التمثيل الحق مفهوما.
في هذا السياق، جاءت عودة لمياء العمري كاستعادة لثقة مفقودة: ثقة في أنّ الأداء المتقن ما يزال ممكنا وأنّ الحرفية ليست عملة منقرضة طالما تسند الأدوار لمستحقيها.
والذكاء في استرجاعها إلى الشاشة لا يقلّ أهمية عن أدائها نفسه، فاختيار ممثلة بقيمتها الفنية يكشف أن الأدوار الثقيلة لا تليق إلا بمن يقدر على حملها.
وقد أثبتت الحلقات الأولى من المسلسل أنّ الرهان لم يكن عاطفيا أو مبنيا على نوستالجيا فقط، بل كان رهانا فنّيا ناجحا فهذه الممثلة الفذّة لم تعُد لتعيش على أمجاد الماضي، بل لتؤكّد أنّها ما تزال قادرة على إضافة الجديد.
ما يميّز أداءها، أيضا، هو تلك القدرة المذهلة على التحكم في الإيقاع الداخلي للمشهد فهي تعرف متى تتقدّم خطوة، ومتى تتراجع نصف خطوة، ومتى تترك الصمت يتكفّل بالباقي.
وهذا الإحساس بالإيقاع يمنح المشاهد شعورا بالاطمئنان فنحن أمام ممثلة تمسك بخيوط الشخصية، وتعرف كيف تقودها دون أن تكسر عفويتها.
وعودة لمياء العمري عبر “الخطيفة” أعادت إلى الأذهان معنى النجومية المرتبطة بالقيمة، لا بالضجيج، تلك النجومية التي تُبنى على تراكم الأدوار، وعلى احترام الجمهور، وعلى الإيمان بأنّ الفنّ رسالة ومسؤولية.
لذلك لم يكن مستغربا أن يستقبل الجمهور ظهورها بفيضٍ من الحنين إلى “الزمن الجميل”، ذاك الزمن الذي كانت فيه الأسماء تُصنع بالجهد، وتترسّخ بالموهبة.
وهي لم تعد فقط إلى الشاشة، بل أعادت معها جزءا من روحها وحضورها في “الخطيفة” يذكّر بأنّ الممثل الحقيقي لا يشيخ، بل ينضج ولا يختفي من الذاكرة، لأنّه يسكنها منذ البداية.