مساء الثالث والعشرين من فيفري 2026، اجتمع دبلوماسيون معتمدون، وشخصيات وطنية، ومثقفون، وإعلاميون، وأعضاء من العائلة “الروتارية”، تحت قباب قصر أحمد باي في المرسى، ليصوغوا معا لحظة عنوانها الحوار، ومتنها التضامن، وأفقها السلام.
ولم يكن اختيار المكان تفصيلا بروتوكوليا فقصر أحمد باي ليس فضاء محايدا فهو شاهد على مرحلة مفصلية من تاريخ تونس، وعلى انفتاحها المبكر على العالم، وعلى جدلية السيادة والتحديث.
في هذا الفضاء الذي ترددت فيه أصوات السياسة والإصلاح، بدا الاحتفاء بالتفاهم العالمي امتدادا لذاكرة تؤمن بأن التواصل مع الآخر لا ينتقص من الهوية، بل يعمّقها.
على وقع النشيد الوطني فنشيد الروتاري، اُفتتحت الأمسية، في مشهد جمع بين الانتماء الوطني والامتداد الكوني.
كان في ذلك التوازي ما يلخّص فلسفة الروتاري نفسها، جذور محلية راسخة، وأغصان تمتد عبر القارات فالتفاهم، كما ظهر في كلمات المتدخلين، ليس شعارا عاطفيا، بل ممارسة يومية تتجسد في مشاريع تنموية، وفي شراكات عابرة للحدود، وفي إيمان بأن السلام يتشكل ببطء لبنة تلو الأخرى.
الكلمات التي ألقاها المتدخلون بمناسبة اليوم العالمي للتفاهم لروتاري تقاطعت عند فكرة مركزية وهي أن السلام لا يُختزل في غياب الحرب، بل يقوم على شروط موضوعية تُحصّنه.
فالحوكمة الرشيدة، والعدالة الاجتماعية، والتعليم، ومحاربة الفقر، وتكافؤ الفرص، ليست عناوين تقنية، بل أعمدة لما يُسمى “السلام الإيجابي”.
هذا المفهوم، الذي طُرح بوضوح، ينقل النقاش من ردّ الفعل إلى الفعل الاستباقي ومن معالجة نتائج الصراعات إلى تفكيك أسبابها العميقة. وهنا يتبدّى دور الروتاري كفاعل مدني عالمي يحاول تحويل القيم إلى برامج، والمبادئ إلى مؤشرات قياس، والنوايا إلى نتائج ملموسة.
ضمن هذا الأفق، برز مشروع “الماء للجميع” بوصفه تجسيدا عمليا لفلسفة التفاهم، فالماء، في بساطته الأولى، هو شرط الحياة، لكنه في مناطق عديدة من تونس ما يزال عبئًا يوميًا يثقل كاهل العائلات، ويستنزف وقت النساء والأطفال، ويهدد الصحة العامة.
وقد وثق عرضٌ سمعي بصري معاناة قرى تضطر إلى قطع مسافات طويلة من أجل ماء قد لا يكون صالحا للشرب، وكشف عن كلفة اجتماعية وصحية صامتة.
والمشروع المقترح لا يكتفي بالتشخيص، بل يراهن على حل مستدام عبر تجهيز محطات الضخ بالطاقة الشمسية لضمان تزويد مستمر ومستقل بالمياه.
أرقام الاستثمار وعدد المواقع المستهدفة بدت دقيقة ومدروسة، لكن الأهم كان الأثر المتوقع الذي يتمثل في استعادة قرى حقها في مورد أساسي، وذهاب تلاميذ إلى مدارسهم دون معاناة صحية، وتحرر أسر من قلق يومي.
وعلى امتداد الأمسية، تكررت الإشارة إلى أن الروتاري ليس مجرد شبكة علاقات، بل منظومة عمل تمتد عبر سبعة مجالات تدخل، من التعليم والصحة إلى التنمية المحلية وحماية البيئة. وتم التذكير بدور المؤسسة الروتارية في تمويل المبادرات، وبإسهام الروتاري التاريخي في دعم الجهود الدولية، ومنها حضوره الاستشاري لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة.
غير أن اللافت لم يكن في استعراض الإنجازات بقدر ما كان في الإصرار على المسؤولية الراهنة وسط عالم يتغير بسرعة، ونزاعات تتكاثر، وفجوات اجتماعية تتسع، ما يفرض مضاعفة الجهد المدني العابر للحدود.
وفي هذا السياق، تم استحضار تجربة مكافحة شلل الأطفال عبر برنامج “بوليو بلس” باعتبارها مثالًا على قدرة العمل المنظم طويل النفس على إحداث تحول عالمي.
مليارات الجرعات من اللقاح، وشراكات دولية معقدة، ومتابعة ميدانية دقيقة، كلها عناصر تؤكد أن الإصرار يمكن أن يُقارب المستحيل.
والحضور الدبلوماسي الكثيف أضفى على المناسبة بعدا رمزيا إضافيا، فالدبلوماسية، في جوهرها، فن إدارة الاختلاف وعندما تلتقي مع الفعل المدني، تتسع دائرة التأثير.
وعلى مشارف ختتام اليوم العالمي للتفاهم، انسابت الموسيقى والأغاني التراثية في أرجاء قصر أحمد باي، في أجواء يطبعها دفء شهر رمضان.
لم تكن الفقرة الفنية مجرد استراحة جمالية، بل كانت امتدادا لفكرة التفاهم ذاتها فالفن لغة تتجاوز الحدود، وتخلق مساحات مشتركة حين تعجز السياسة أحيانا عن ذلك.





