“حياة” ليس مسلسلا عن الجنوب التونسي، ولا عن الموسيقى في حالتها الوجدانية ولا عن شخصية تحمل اسما ملتبسا بين الدالّ والمدلول.
هو مشروع تأمّل طويل في معنى أن نحمل ذاكرتنا كما نحمل قلوبنا بين ضلوعنا، وإذا تحرّرنا من غواية القراءة الأولى، تلك التي ترى في العمل احتفاءً بالتراث واستعادة للهوية، سنكتشف أنّ مخرجه قيس الماجري يشتغل على طبقة أعمق وهي طبقة الصدع بين الإنسان وأصله.
المسألة، هنا، لا تتعلق بتوثيق للجنوب، بل مساءلة له حيث تتخطى الموسيقى تزكية الماضي، لتصبح اختبارا لقدرته على الاستمرار داخل حاضر هشّ.
من منطقة خافتة، من حيّز انفجر فيه الحدث دون دوي انطلق المسلسل وشيئا فشيئا تبدت ظلاله الممتدة في الداخل وفي العمق وتجلى رهانه على ارتجافات بطيئة تتشكّل في وعي الشخصيات كما في وعي المتلقي.
نحن أمام دراما لا تتعجّل كشف ملامحها وتتأنى حتى تنضج أسئلتها على مهل استنادا إلى كتابة خولة الحسني التي تصنع من خيوط العمق والبساطة جدائل تحاكي جدائل الجدات بكل ما تحمله من زخم وحنين.
ومنذ اللحظات الأولى، يتبيّن أنّ قيس الماجري لا يصنع حكاية بالمعنى التقليدي، بل يبني فضاءً للتأمل تتجاور فيه الصورة بالصمت، والذاكرة بالحاضر، والجسد بما يعجز عنه الكلام.
وفي “حياة” لا يشكل المكان إطارا للأحداث، بل يبدو حالة وجودية وكيانا حيا يراقب ويشارك ويؤثر بعيدا عن كليشيهات البطاقات البريدية والخلفيات السياحية.
الجبل كتلة صمتٍ متراكم، يشبه ذاكرة مثقلة لا تعرف النسيان والتجاوز، والبحر المترامي يحاكي أفقا مفتوحا على احتمالات الهروب والضياع والاحتواء.
البيوت الطينية، والورشات، والأزقة، جميعها تتعدى تفاصيل الديكور وتشكّل امتدادات لوجوه من تركوا أنفاسهم فيها، لتتبدّى علاقة عضوية بين الإنسان والمكان وكأنّ كل شخصية تحمل تضاريسها في ملامحها، وكل زاوية في القرية تحفظ أثر خطوات من عبروا قبل انبعاثها.
من هنا تتشكّل إحدى أهم طبقات العمل وهي الهوية التي تظهر بمثابة التوتر الدائم بين الانتماء والرغبة في الانفلات، توتر يسكن الشخصيات المأزومة التي يحمل كل منها شقاءه الخاص.
هذه الشخصيات التي تتأرجح بين الهوية والذاكرة والذات جسدها ممثلون على غرار صالح الجدي، وفوزية بدر، وسوسن معالج، وفتحي الذهيبي،وفاطمة صفر، ومحمد أمين حمزاوي، وريم بن مسعود، ومنتصر تبان، ومحمد السويسي، وأميمة المحرزي، عبد الكريم البناني، وعبد القادر البريدي، وعصام عبسي وزينب المالكي.
واختيار الممثلين يُحسب لمسلسل “حياة” إذ تبدو كل شخصية على مقاس الشخص الذي يبعث فيها الحياة، كما أنه يجمع بين مدارس تمثيل مختلفة وأجيال متنوعة مما خلق توليفة فريدة انعكست على الأداء.
“حياة” الاسم الذي يوحي بالامتلاء يتحوّل إلى مفارقة فهو لا يعكس الطمأنينة بقدر ما يضع الكل في اختبار مستمر لقدراتنا على حمل ذاكرتنا دون أن نغرق فيها، وعلى التقدّم خطوة إلى الأمام دون أن نشعر بأننا نخون ما تركناه خلفنا.
لا أحد في المسلسل يبدو متصالحا تماما مع ذاته، ثمة نقص خفيّ، وفراغ غير مرئي، فجوة متوارية لكنها محسوسة وهي المحرّك الحقيقي للأحداث.
ليست الصراعات الكبرى هي ما يحرّك الدراما، بل التصدّعات الدقيقة من نظرة فات ميعادها، واعتراف غير مكتمل، وقرار بنصف قناعة، هذه التفاصيل يشتغل عليها قيس الماجري ويمنحها مساحة لتكبر داخل المشهد.
الكاميرا لا تلاحق الانفجار، بل تنتظر ما يسبقه وما يليه، والصمت في “حياة” ليس فراغًا، بل مادة درامية أساسية فالمعنى يستمر في التشكل في اللحظات التي يتوقّف فيها الحوار.
فالصمت ببن شخصين قد يحمل تاريخًا من الخيبات، والصمت أمام مشهد طبيعي قد يختزن سؤالًا عن جدوى البقاء، والاقتصاد في الكلام يمنح العمل كثافته.
الموسيقى، بدورها، لا تتصرّف كعنصر زينة أو مرافقة ولا تظهر كخلفية عاطفية جاهزة، بل امتداد داخلي لحالة الشخصيات إذ تبدو وكأنها تصدر من أعماقهم، كأنّ اللحن بوح ومناجاة عجزت عنهما الكلمات.
النغمات لا تأتي لتؤكد شعورًا بقدر ما تأتي لتربكه، لتفتح فيه مسارًا آخر، على إيقاع التباين خفي بين الصورة والصوت؛ فأحيانًا ينسجمان، وأحيانًا يتباعدان، وفي هذا التباعد يولد المعنى.
والموسيقى، في حياة، تذكّرنا بأن الهوية ليست سردا خطيا، بل طبقات من الأصوات المتراكمة، بعضها واضح وبعضها يكاد يُسمع همسًا.
وأما الجسد فقد تجاوز كونه وسيطا للحركة إلى أداة للتفكير والتفكّر يتحول فيها في بعض المشاهد إلى نصّ قائم بذاته، يحمل ما يُثقل كاهل اللغة ويدفع بالدراما إلى ذروتها.
هذا الاشتغال على الجسد يمنح العمل بعدًا حسّيًا عميقًا، ويجعله يتجاوز حدود الحكاية إلى منطقة التجريب.
بصريًا، يعتمد المسلسل على توازن دقيق بين الاتساع والحميمية فاللقطات الواسعة تمنحنا إحساسًا بالانتماء إلى فضاء أكبر، لكنها في الوقت نفسه تكشف عزلة الشخصيات داخله. أما اللقطات القريبة، فتنقلنا إلى تفاصيل الوجوه، إلى تلك الارتعاشات الصغيرة التي تكشف هشاشة الإنسان.
الضوء غالبًا خافت، متردّد، كأنه يخشى أن يكشف كل شيء دفعة واحدة في خيار جمالي يعكس طبيعة الحكاية نفسها إذ لا يقين مطلق، بل مناطق ظلّ تتجاور مع ومضات وضوح عابرة.
العمل لا يقع في فخ تمجيد الماضي ولا في فخ القطيعة معه وهو يقف في المنطقة الوسطى بينهما ويطرح سؤالًا جوهريا عما نفعل بالذاكرة؟ هل نحملها كدرع يحمي هويتنا، أم كعبء يثقل خطانا؟
بعض الشخصيات تتشبّث بالماضي كما لو كان آخر ما تبقّى لها، وبعضها يحاول أن يخلق مسافة، وأن يعيد تعريف نفسه خارج الأطر الجاهزة. لكنّ أي منها عانقت الحسم، الجميع في حالة عبور دائم.
و“حياة” عمل عن الإنسان في علاقته بجذوره والجنوب هنا استعارة كبرى لكل مكان نحمله في داخلنا فكل منّا “جنوبه” الخاص سواء كان ذاكرة أولى، أو لغة أمّ، أو رائحة بيت قديم أو طعم رغيف معجون بحب.
الزمن في العمل ليس خطيًا تمامًا، إذ ثمة إحساس بأن الماضي يتسلّل إلى الحاضر باستمرار، وأن الحاضر بدوره يعيد كتابة الماضي وهذا التداخل يمنح السرد عمقًا إضافيًا.
فلا يمكن فهم الأحداث بمعزل عن تاريخها، ولا اختزال الشخصيات في لحظتها الراهنة وكل تصرّف هو نتيجة تراكم طويل من التجارب، ومن الخيبات، ومن الأحلام المؤجلة.
والمتلقي يخرج من “حياة” وهو لا يتذكّر حدثًا بعينه بقدر ما يحتفظ بإحساس عام بأن الهوية ليست تعريفًا نهائيًا، بل مسارًا مفتوحًا وبأن الحياة ليست وعدًا بالاكتمال، بل تمرينًا دائمًا على التوازن بين ما كنّا عليه وما نرغب أن نصير.
المسلسل يمنحنا مساحة للتفكير، وربما هذا هو رهانه الأعمق أن يجعل من الدراما فرصة للتأمل، لعبدا عن الحكايات الي نستهلكها وننساها.
“حياة” بهذا المعنى تجربة جمالية وإنسانية في آن تذكّرنا بأن الفنّ حينما يبتعد عن الابتذال والتفاهة والسطحية يستطيع أن يلمس أكثر زوايانا هشاشة وأن الصورة، حينما تتشكل بصدق، قادرة على أن تعيد إلينا أسئلتنا الأولى، تلك التي نظنّ أننا تجاوزناها، لكنها تظلّ كامنة فينا، تنتظر لحظة ضوء كي تستفيق.