بعيدا عن البهرج البصريّ الذي يعلو أحيانا على الفكرة، والميزانيات الضخمة التي تخفي أحياناً هشاشة الحكاية، جاء “أريار الڨدام ” لبسام الحمراوي كعملٍ يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه في عمقه يطرح أسئلة عن معنى الدراما نفسها.
ومع تدفق التفاصيل في حلقات الموسم الأول فالموسم الثاني يتجلى المعنى أكثر فأكثر ويظهر أن الدراما الحية هي التي تنهل من الأزقة التي مازالت تحفظ نبض الحياة.
وليس من المبالغة القول إن هذا العمل نجح في أن يشقّ لنفسه مسارا خاصا داخل المشهد الرمضاني لا لأنه يملك أدوات إنتاج استثنائية، بل لأنه يملك شيئاً أكثر ندرة وهو القدرة على الإنصات إلى همس الحياة اليومية.
في “أريار الڨدام ”، تتجاوز “الحومة” الديكور لتغدو شخصية مستقلة بذاتها ويتخطى المقهى الخلفية العابرة ليبدو فضاءً دراميا تتقاطع فيه الحكايات الصغيرة التي تصنع في مجموعها ذاكرة جماعية كاملة.
منذ الحلقات الأولى، يتبيّن أن “أريار الڨدام ” لا يسعى إلى إثارة الضحك السريع بقدر ما يحاول استعادة ذاكرة اجتماعية كاملة، تلك الذاكرة التي تختبئ في تفاصيل تبدو هامشية.
هذه التفاصيل قد تكون لعبة قديمة بين الأطفال، أو نداء يأتي من آخر الحي، أو ضحكةٍ جماعية داخل مقهى شعبي، أو حتى في عتابٍ عابر بين جارين يعرف كلٌّ منهما تاريخ الآخر.
بهذا المعنى، يتحول المسلسل إلى نوعٍ من الأركيولوجيا العاطفية، من خلال الحفرٌ الدقيق في طبقات الذاكرة التونسية القريبة، فهو لا يستدعي الماضي بوصفه نوستالجيا، بل بوصفه مادة للتفكير في ما تغيّر وما بقي ثابتاً في علاقات الناس ببعضهم البعض.
الكوميديا هنا ليست مجرد أداة للترفيه أو الإضحاك، إنما آلية قراءة اجتماعية، فالموقف المضحك كثيراً ما يخفي وراءه سؤالاً أعمق عن الاحترام، وعن التضامن داخل الحومة، وعن العلاقة بين الأجيال.
وفي لحظات بعينها، يتوقف الضحك فجأة ليترك المجال أمام تأملٍ صامت، كأن العمل يذكّرنا بأن الضحك نفسه قد يكون شكلاً من أشكال التفكير.
ولعل أحد أسرار قوة المسلسل يكمن في صدق الأداء التمثيلي، فالشخصيات لا تبدو كأنها مكتوبة لتُؤدى أمام الكاميرا، بل كأنها خرجت من قلب الحياة نفسها، وجوه نعرفها، أصوات تشبه أصوات جيراننا، وانفعالات لا تبدو مصطنعة.
في هذا السياق، تقدّم وجيهة الجندوبي مثالاً لافتاً على قدرة الممثل الكوميدي على تحويل اللحظة البسيطة إلى حدث درامي كامل وأداؤها يذكّرنا بأن الكوميديا حرفة دقيقة تقوم على الإيقاع والذكاء والقدرة على التقاط المفارقة في أكثر اللحظات عادية.
إلى جانبها، يرسّخ جلال الدين السعدي حضوره بخبرة ممثل يعرف كيف يمنح الشخصية عمقها دون استعراض.
أما بسام الحمراوي، الذي يقف في قلب المشروع، فيبدو كأنه لا يكتفي بالأداء، بل يدير شبكة كاملة من العلاقات بين الشخصيات، جاعلاً من العمل فضاءً جماعياً لا بطولات فردية فيه.
ولا ينبض القلب إلا بشرايين تسري فيها دماء الحنين عبر حضور بقية الممثلين الذين بدوا وكأنهم يمارسون حياتهم العادية دون افتعال أو مبالغة في الأداء الذي يمعن في العزف على أوتار الذكريات.
ومن اللافت، أيضاً، قدرة المسلسل على خلق جسرٍ بين الأجيال، فالأطفال الذين يشاهدونه اليوم يكتشفون عالماً لم يعيشوه تماماً، بينما يجد الكبار أنفسهم أمام مرآة تستعيد تفاصيل طفولتهم لتتحول إلى مساحة حوار غير مباشر بين زمنين مختلفين.
وفي بعض المشاهد الوجيزة ينجح العمل في تمرير رسائل دقيقة حول معنى الاحترام، وقيمة الجماعة، وحدود الحرية داخل فضاء اجتماعي مشترك، وهي رسائل لا تأتي مباشرة، بل تظهر في سياق الحياة اليومية، كأنها جزء طبيعي من النسيج الدرامي.
ومن هذا المنطلق يتعدى “أريار الڨدام ” كونه عملا كوميديا ليحاكي تجربة تلفزيونية تستعيد فكرة البساطة كخيار جمالي يجعل المشاهد يهمس كل حين هذا يشبهني… هذه حكايتي أيضاً.
وربما لهذا السبب تحديداً وجد العمل طريقه إلى قلوب العائلات التونسية بسهولة، لأنهم لم يشاهدوا على الشاشة ممثلين يؤدّون أدواراً، بل رأوا انعكاساً لحياتهم اليومية بكل ما فيها من طرافة وحنين وشيء من الشجن الجميل.
الممثلون : محمد السويسي ولبنى السديري وأحمد العجيمي وأميمة الحمروني وسيف بطي وهالة مزيو وياسين الصالحي وأسامة بالضياف ومختار باسم وكلثوم حندوس ومحمد حمادة وبلال سلاطنية والطفل ابراهيم بوشلغوم وسامية الحامي ومريم فرحات وخالد البراهمي وغالية الورتاني ومنير العماري ومحمد بن مبارك ضيفا الشرف : نعيمة الجاني وعبد الحميد بوشناق