“اغتراب”… هذه المفردة بكل ما تحملها من ثقل وجودي، تلك الهوّة التي تنشأ حين يغدو الإنسان غريباً عن ذاته وعن محيطه، ارتبطت هذه الأيام بعمل سينمائي استدعى فيضاً من الحروف منذ تشكّله في رحم المشهد السينمائي التونسي.
هذا العمل للمخرج مهدي هميلي، الذي صنع لنفسه مساحةً خاصة لتمثّل العالم، مساحةً تتراءى فيها إشكاليات الجسد والجنس والجنسانية بوصفها أسئلةً وجودية لا مجرد استفزاز بصري.
غير أن الحديث عن تفاصيل هذا الفيلم الذي خلّف زوبعةً عارمة لا يمكن أن يمرّ دون التوقف عند النقاشات التي رافقت الإعلان عن مشاركته في مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي، وتحديداً تلك المتعلقة بتحويل صبغة المصنف من وثائقي إلى روائي.
فقد أعلن المخرج عبد الله الشامخ عن رفعه قضيةً استعجالية للمطالبة بإيقاف عرض “اغتراب”، معتبراً أن تحويل فيلمه الوثائقي “فولاذ” إلى الروائي “اغتراب” يمثّل اعتداءً صارخاً على القوانين المنظِّمة للقطاع، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين وصف ما جرى باحتيالٍ وتزويرٍ وتدليسٍ واستبعادٍ لصاحب الفكرة والنص الأصلي منذ عام 2019.
في المقابل، أكدت شركة “يول فيلم هاوس” أنها المالكة الفعلية لكافة الحقوق الأدبية والفنية للفيلمين، مشيرةً إلى أن المخرج مهدي هميلي هو من قام بتطويرهما وكتابتهما، وأنها تمتلك المؤيدات القانونية والعقود التي تُثبت ذلك.
لنضع هذا النزاع حول الملكية الفكرية جانباً على أمل أن تُحسم هذه القضية في أروقة العدالة لا في ساحات التشهير، حتى لا تتحول إلى مطيّة لممارسات تنخر جسد السينما التونسية.
على امتداد ساعتين وثلاث دقائق، لا تتجاوز المشاهد التي أثارت حفيظة شريحة من الجمهور سوى لحظات معدودة. غير أن هذه اللحظات بدت لبعضهم جريئةً ومباشرةً بما يكفي لمغادرة القاعة قبل أن ينغمسوا في عمق الفيلم، تاركين خلفهم حكماً قاطعاً على عمل لم يمنحوه فرصة الاكتمال.
كانت التدوينة الأولى التي ساءلت الفيلم من زاوية أخلاقية بمثابة شارة انطلاق لحملة واسعة، وصلت حدّ المطالبة بمنعه من العرض، ونفضت الغبار عن تلك الفكرة النمطية المغلوطة التي طالما لاحقت السينما التونسية وأوسمتها بـ”سينما الحمام”، في اختزالٍ فجٍّ يُسقط عنها كل بُعد فني أو فكري.
والمتأمل في تلك التعليقات يلاحظ أنها تنطلق من نظرة أخلاقوية صرفة، تسعى إلى صناعة رأي عام يحاكي قوالب جاهزة لا مكان فيها لصوت مختلف أو تمثّل مغاير. وهو ما يطرح تساؤلاً جوهرياً: متى يتحول اختلاف الذائقة إلى سلاح للإقصاء؟
لا يمكن بأي شكل من الأشكال مصادرة حق الجمهور في رفض العري ومشاهد الحميمية الصريحة، في اتساقٍ مع بيئته المحافظة وخلفيته الثقافية. هذا حق مشروع لا جدال فيه. لكن أن يتحول هذا الرفض الشخصي إلى ورقة ضغط لفرض الرقابة ومنع المصنفات الفنية ومحاكمتها أخلاقياً، فذلك تجاوزٌ صريح لحدود الحرية الفردية باتجاه قمع الحرية الجماعية.
ولعل المخرج هميلي قد أسهم من جهته في تأجيج الأزمة حين تحدّث عن نسخة للمهرجانات وأخرى للجمهور، في إشارة إلى نيّته تنقيح الفيلم عند عرضه في القاعات. وهذا التصريح يحتمل قراءات متعددة: هل هو اعترافٌ ضمني بأن ثمة حدوداً لا يمكن تجاوزها؟ أم مرونةٌ فنية تُميّز بين سياقات التلقّي المختلفة؟ أم تراجعٌ تحت وطأة الضغط الاجتماعي؟
في كل الأحوال، من يعرف مسيرة هميلي يُدرك أنه لن يتخلى عن الجسد بوصفه لغةً سينمائية وفلسفية، وأن هذا الاختيار ليس استفزازاً بل موقفٌ جمالي راسخ. وهو ما يجعل الاستغراب المتجدد في كل عمل له أمراً يفقد مبرراته مع الوقت.
أما عن جوهر الفيلم الذي امتدت الأيادي لحجبه في أكثر من مناسبة، فإنه ينغمس في الذات الإنسانية في محيطها عبر حكايات عمال في مصنع فولاذ، يحملون على أجسادهم عبء الحياة اليومية وثقل الإخضاع الاجتماعي.
ومن أشد مشاهد الفيلم إيحاءً، ذلك المشهد الذي يتحول فيه البطل إلى كتلة من الحديد الذي أكله الصدأ، فيما تتكشّف تباعاً أجساد زملائه وقد علتها بقع الصدأ ذاتها. إنها استعارة بصرية بليغة تقول في لحظة صمت ما يعجز عنه خطابٌ بأكمله : الإنسان حين يُحاصَر يصدأ، والحرية ليست رفاهيةً بل شرط الوجود.
“كنت أتمنى لمن غادروا القاعة أن يمنحوا أنفسهم فرصة لمشاهدة بقية الفيلم”، قالت امرأة خلال نقاش الفيلم في عرضه الأول في تونس ضمن مهرجان قابس سينما فن. وفي هذه الجملة البسيطة ما يلخّص جوهر الأزمة وهو أن كثيرين حاكموا ما لم يروا، وأدانوا ما لم يكتمل في أعينهم.
قد نتقارب أو نتنافر في علاقتنا بالمعالجة السينمائية لمعاناة العمال وطريقة توظيف الجسد للحديث عن القهر. وهذا التباين مشروع وصحي. ولكن أن يتحول هذا التباين إلى بوابةٍ للرقابة وأداةٍ للإسكات، فذلك هو الاغتراب الحقيقي.
في نهاية المطاف، الصدأ الذي يُصوّره الفيلم ليس في الحديد وحده، بل في كل فكرٍ يُحاصَر وكل صوتٍ يُخنق وكل عملٍ فني يُحاكم قبل أن يُرى.