في أجواء جمعت بين تقييم حصيلة النقاشات العلمية والاحتفاء بتوزيع الجوائز، اختُتمت فعاليات الدورة الحادية عشرة للمنتدى الدولي للصحة الرقمية، التي احتضنتها مدينة الحمامات، وسط حضور رسمي ودولي لافت، تقدّمه وان لي، إلى جانب عدد من المسؤولين والخبراء والفاعلين في مجالي الصحة والتكنولوجيا.
وقد مثّل هذا الحدث، على امتداد أيامه، فضاء للنقاش وتبادل التجارب حول التحولات العميقة التي يشهدها القطاع الصحي في ظل التسارع التكنولوجي، حيث لم تعد الرقمنة مجرد خيار مستقبلي، بل أصبحت واقعا يفرض نفسه تدريجيا على مختلف مكونات المنظومة الصحية.
وفي كلمته خلال حفل الاختتام، أكد الطيب الزهار أن المنتدى أضحى محطة سنوية أساسية تجمع مختلف المتدخلين في القطاع، مشيرا إلى أنه يشكّل منصة للتفكير الجماعي واستشراف مستقبل الرعاية الصحية في ظل التحولات الرقمية المتسارعة. واعتبر أن هذه الدورة عكست بوضوح حجم التغيرات التي يعيشها القطاع، خاصة مع بروز مفاهيم جديدة تعيد صياغة العلاقة بين الطبيب والمريض، وتدفع نحو نماذج أكثر نجاعة وشمولًا.
من جانبه، شدّد نور الدين بوزواية على أن لحظة الاختتام لا تمثل نهاية الأشغال بقدر ما تفتح آفاقا جديدة، مبرزا أن المنتدى لا يقتصر على عرض الأفكار، بل يسعى إلى مرافقة المشاريع وتحويلها إلى حلول قابلة للتطبيق. وأوضح أن مسابقة الشركات الناشئة أصبحت ركيزة أساسية ضمن هذا التوجه، لما توفره من فضاء لدعم الابتكار وتشجيع الشباب على تقديم مبادرات في مجال الصحة الرقمية.
وقد خُصّصت نسخة هذه السنة من المسابقة لمجال الذكاء الاصطناعي، في إشارة إلى مكانته المتنامية داخل القطاع الصحي، حيث بات يشكّل أداة رئيسية لتحسين التشخيص وتطوير أساليب العلاج. وفي هذا الإطار، عبّر وان لي عن ارتياحه لمشاركة بلاده في هذه التظاهرة، مؤكدًا دعم السفارة الصينية لمثل هذه المبادرات التي تعزز الابتكار والتعاون الدولي، ومثمنًا جودة المشاريع المقدمة من قبل المشاركين.
وشهدت المسابقة مشاركة عشرة مشاريع تم اختيارها إثر عملية فرز دقيقة استمرت عدة أشهر، حيث استفاد أصحابها من مرافقة منهجية قبل عرضها أمام لجنة تحكيم ضمت خبراء في مجالات متعددة. وقد مثّلت هذه المرحلة فرصة لتبادل الآراء وتطوير المقترحات بما يعزز قابليتها للتنفيذ.
وفي هذا السياق، أوضح محمد الجميّل أن المسابقة تمثل منصة حقيقية للتعلم وإبراز الكفاءات، مشيرا إلى تنوع المشاريع المشاركة التي شملت تطبيقات رقمية وأجهزة ذكية وحلولا مبتكرة تستجيب لحاجيات القطاع الصحي.
وأسفرت المسابقة عن تتويج عدد من المشاريع التي عكست مستوى متقدما من الابتكار. فقد حاز مشروع “Kalsita”، الذي قدمته الطالبة في الهندسة البيوطبية يسر الشيحي، جائزة إعجاب لجنة التحكيم، وهو مشروع يقوم على تطوير منسوجات ذكية تهدف إلى الوقاية من بتر الأطراف لدى مرضى السكري، في استجابة مباشرة لإشكال صحي ذي أبعاد اجتماعية هامة.
أما الجائزة الثالثة، فقد عادت إلى مشروع “Oncotib” الذي قدمته الصيدلانية فاطمة الجراية، ويتمثل في منصة رقمية لمتابعة مرضى السرطان الخاضعين للعلاج الفموي، بهدف تحسين الالتزام العلاجي وتعزيز جودة المتابعة الطبية.
وفي المرتبة الثانية، تُوّج مشروع “DrugIT” الذي قدمه الطالب المقاول محمد عزيز الحيف، وهو حل يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتنظيم وتطوير مراحل إنتاج الأدوية، مع إمكانيات تطبيق واسعة داخل المنظومة الصيدلانية.
في حين أحرز المشروع “SafeAirway”، الذي قدمته المهندسة الدكتورة سونيا معالج، الجائزة الأولى، بفضل ما يقدمه من حل مبتكر يعتمد على تقنيات التعلم الآلي للحد من مخاطر التنبيب، خاصة لدى حديثي الولادة، وهو ما يجعله ذا قيمة طبية عالية وإمكانيات تطبيق دولية واعدة.
وقد ضمت لجنة التحكيم أسماء من مجالات مختلفة، من بينها محمد الجميّل، كريم بوهليلة، عفاف المظافر، رياض شاكر، آمال بن عمار، لمياء مقدّم، ومحمد بن حميدة، ما أضفى على عملية التقييم طابعًا متعدد الاختصاصات.
وبالتوازي مع هذه الديناميكية الابتكارية، شهد المنتدى نقاشات معمّقة حول دور الذكاء الاصطناعي في تطوير الممارسة الطبية. وفي هذا الإطار، أكد أحمد كامل أن هذه التقنيات أحدثت تحولًا نوعيًا في أساليب التشخيص والعلاج، خاصة من خلال قدرتها على التنبؤ المبكر بالأمراض، وهو ما يساهم في إنقاذ الأرواح وتقليل المضاعفات الصحية.
كما أشار إلى تطور استخدام تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد في الجراحة، والتي تتيح للأطباء محاكاة العمليات بشكل مسبق، مما ساهم في رفع نسب نجاح التدخلات المعقدة إلى ما بين 60 و70 بالمائة. ولفت إلى أن هذه التقنيات تستند إلى منهجيات علمية دقيقة، وتحظى باعتراف مؤسسات دولية، مما يعزز موثوقيتها.
وفي المقابل، شدّد على أن نجاح إدماج الذكاء الاصطناعي يظل مرتبطا بجملة من الشروط، من بينها جاهزية البنية التحتية، وتوفر البيانات، وتأمين الأنظمة، إلى جانب تأهيل الموارد البشرية. كما أكد أن هذه التقنيات، رغم تطورها، تظل أدوات مساعدة للطبيب وليست بديلاً عنه.
وكانت الجلسات العلمية للمنتدى قد سلّطت الضوء على جملة من المحاور، من بينها تطوير المستشفى الرقمي، وإرساء ملف طبي موحّد، واستكشاف مفاهيم جديدة مثل “التوأم الرقمي” في الطب، إضافة إلى دور البيانات الصحية في تحسين جودة الخدمات وتقليص الفوارق في النفاذ إلى العلاج.
وفي هذا السياق، شدّد رضا كشريد على أن التحول الرقمي لم يعد مجرد خيار، بل أصبح واقعا يفرض إعادة التفكير في طرق تنظيم القطاع الصحي وأساليب التكفل بالمرضى، مؤكدا في الوقت ذاته أهمية وضع أطر أخلاقية واضحة تضمن حماية المعطيات وتعزز الثقة في هذه الأنظمة.
كما أبرز أهمية التعاون الدولي في هذا المجال، مشيرًا إلى دور منظمة الصحة العالمية والاتحاد الدولي للاتصالات في تأطير استخدامات الذكاء الاصطناعي في الصحة، وضمان توحيد المعايير.
وعلى هامش هذه النقاشات، تم عرض عدد من المبادرات التونسية التي تعكس الإمكانيات المتاحة، على غرار مشاريع المستشفى الرقمي ومنصات الخدمات الصحية، والتي تسعى إلى تحسين نجاعة المنظومة الصحية وتكريس مبدأ العدالة في النفاذ إلى العلاج.
ويختتم المنتدى أعماله وقد كرّس قناعة مشتركة بين المشاركين مفادها أن مستقبل الصحة يمرّ حتمًا عبر الرقمنة، غير أن نجاح هذا المسار يظل رهين القدرة على تحقيق التوازن بين التطور التكنولوجي والحفاظ على البعد الإنساني في الممارسة الطبية، بما يضمن منظومة صحية أكثر نجاعة واستدامة.