في المسرح الأثري بقرطاج، تجاوزت “جاري يا حمودة” أغنية ضمن برنامج سهرة يارا، لتعيد فتح صفحة من الذاكرة الغنائية التونسية أمام جمهور يعرف هذه الكلمات والنغمات، ويحملها معه من جيل إلى آخر.
اختارت الفنانة اللبنانية أن تؤدي واحدة من أشهر الأغنيات المرتبطة بالتراث الشعبي التونسي، رفقة فرقة موسيقية بقيادة المايسترو يوسف بالهاني، لتلتقي أغنية ولدت في فضاء شعبي بعيد عن المسارح الكبرى بصوت عربي وجد فيها، منذ طفولته، شيئا يستحق أن يبقى.
وفي هذا السياق، قالت يارا إنها تحب “جاري يا حمودة” منذ صغرها، قبل أن تؤديها أمام جمهور قرطاج، وهي إشارة تختصر رحلة طويلة قطعتها هذه الأغنية من بيئتها الأولى إلى الذاكرة العربية.
فالأغنية التي ارتبطت في الرواية الشعبية بجزيرة قرقنة لم تبق أسيرة المكان الذي خرجت منه، وإنما تنقلت بين الناس والمناسبات والأصوات، إلى أن أصبحت جزءا من المخزون الغنائي الذي يعرفه التونسيون ويستعيده الفنانون في مناسبات مختلفة.
وتعود الحكاية المتداولة حول بدايات “جاري يا حمودة” إلى أربعينيات القرن الماضي، حين ارتبطت بالفنان الشعبي علي واردة وجاره حمودة في قرقنة.
ووفق هذه الرواية، كانت الأغنية وليدة موقف شخصي بسيط، إذ أراد واردة استرضاء جاره بعد حالة من العتاب، فاختار الغناء وسيلة للمصالحة، وخرجت من تلك اللحظة كلمات تحولت مع الوقت إلى أغنية يتناقلها أهالي الجزيرة.
وما بدأ كغناء في محيط اجتماعي محدود، وجد طريقه لاحقا إلى الأعراس والمناسبات، قبل أن ينتقل إلى صفاقس ويأخذ مسارا جديدا في الانتشار.
وفي تاريخ الأغنية الشعبية، لا تكون الحدود، دائما، واضحة بين ما هو مؤلف وما هو متوارث، وبين صاحب اللحظة الأولى ومن يساهم لاحقا في تثبيت العمل داخل الذاكرة العامة.
وهو ما حدث مع “جاري يا حمودة”، التي ارتبط انتشارها الواسع خصوصا باسم الفنان أحمد حمزة، قبل أن يتحول الأمر إلى خلاف حول صاحب الكلمات وأصل الأغنية.
وفي المقابل، ظل عدد من الفنانين ورواة التراث في قرقنة يتمسكون برواية ولادتها هناك وربطها بعلي واردة.
غير أن الجدل حول نسبتها لم ينجح في إخراج الأغنية من التداول، بل ربما ساهم في إبقاء قصتها حاضرة كلما أعيد تقديمها. فقد غنتها أصوات تونسية وعربية مختلفة، وظلت تنتقل من جيل إلى آخر، لتؤكد أن بعض الأعمال الشعبية تصبح، مع مرور الزمن، أوسع من أسماء أصحابها، لأنها تستقر في الذاكرة الجماعية وتتحول إلى جزء من الهوية الموسيقية لمكان بأكمله.
ومن هنا يمكن فهم اختيار يارا لهذه الأغنية في قرطاج التي تحبها منذ طفولتها، أي أنها تنتمي أيضا إلى ذاكرتها الشخصية.
وعندما تؤدي فنانة لبنانية أغنية ارتبطت بالتراث التونسي أمام جمهور تونسي، فإنها تعيد إنتاج رحلة الأغنية نفسها: أغنية خرجت من قرقنة، عبرت إلى صفاقس، انتقلت بين الفنانين، ثم وجدت طريقها إلى الذاكرة العربية، لتعود اليوم إلى تونس من بوابة صوت عربي آخر.
وكان حضور المايسترو يوسف بالهاني والفرقة الموسيقية جزءا من هذا العبور بين القديم والجديد، إذ أعيد تقديم الأغنية ضمن معالجة موسيقية مختلفة من دون أن تفقد ملامحها التي جعلتها قريبة من الجمهور.
وفي مسرح قرطاج، بدا الفارق الزمني بين حكاية الأغنية الأولى وحاضرها كبيرا، لكن المسافة الموسيقية كانت أقصر بكثير. فما إن تعود أغنية يعرفها الجمهور حتى تستعيد مكانها، مهما تغيرت الأصوات التي تؤديها أو الأزمنة التي تعبرها.
ومن هذا المنطلق، تبدو “جاري يا حمودة” حالة تتجاوز مجرد أغنية شعبية قديمة، فهي وثيقة حية على قدرة الذاكرة الموسيقية التونسية على الانتقال والتجدد.
من حكاية بدأت، وفق الرواية المتداولة، بين جارين في قرقنة، إلى أغنية تتردد في الأعراس والمناسبات، ثم إلى صوت أحمد حمزة وأصوات أخرى حملتها إلى جمهور أوسع (صابر الرباعي، لطيفة، لورا خليل، عبد الله بلخير) وصولا إلى يارا التي تقول إنها أحبتها منذ طفولتها، قطعت “جاري يا حمودة” مسارا طويلا من دون أن تفقد قدرتها على الوصول إلى جمهور واسع.
*صورة بعدسة رفيق بودربالة