بعيدا عن خطابات الشكر واستعراض الأسماء، تشكل افتتاحات المهرجانات نصوصا موازية وبيانات مكثفة لما يريد المهرجان أن يقوله عن العالم، وعن موقع الفن داخله.
وفي افتتاح الدورة الثامنة من مهرجان قابس سينما فن، لم يكن المشهد منفصلًا عن هذا الوعي، بل جاء مشحونًا بأسئلة تتجاوز الشاشة نحو ما يتصدّع خارجها.
منذ اللحظة الأولى، بدا أن المهرجان يواصل رهانه القديم، الانحياز إلى الهامش بوصفه مركزًا بديلًا، وإلى الفن بوصفه أداة تفكير.
وفي تجربتها الأولى في الإدارة الفنية للمهرجان، لم تكتف بصياغة برمجة تحاكي مساراتها المختلفة وتلبي تطلعاتها بل صاغت على الركح موقفا واضحا.
حين تستحضر بن محمود فلسطين ولبنان وإيران، فهي تدرك بأن الفن لا يمكن أن يظلّ محايدًا في عالم يتشظّى، وكلماتها لم تكن مجرد توصيف لواقع مثقل بالحروب، بل كانت محاولة لإعادة ربط الصورة بسياقها الإنساني، ولانتشال الأرقام من برودتها نحو حكاياتها المؤجّلة.
هذا التوتر بين الجمالي والسياسي لم يكن حبيس الخطاب، بل تسرّب بوضوح إلى اختيارات الافتتاح، إذ يأتي “فلسطين – سرديّة منقّحة” كفعل تفكيك جمالي للأرشيف نفسه.
ولا يعرض هذا العمل الصور بوصفها حقائق نهائية، بل كمواد خام مشبعة بنظرة استعمارية تحتاج إلى إعادة قراءة.
سينثيا زافن، على الركح، لم تكن عازفة بيانو فحسب، بل وسيطة بين زمن الصورة وزمن الصوت، وتحولت مفاتيح البيانو، البيضاء والسوداء، تحت أناملها إلى ما يشبه لغة مضادة، تُعيد كتابة ما حاول الأرشيف تثبيته. في المقابل، يأتي التصميم الصوتي الذي أوجدته رنا عيد لا ليملأ الفراغ، بل ليكشفه، وليُبرز الصمت بوصفه جزءًا من العنف الكامن في الصورة.
سبعة وسبعون مقطعًا صامتًا، صُوّرت بين 1914 و1918، تتحوّل من وثيقة تاريخية إلى ساحة صراع سردي، وما يبدو للوهلة الأولى مادة توثيقية محايدة، ينكشف تدريجيًا كأداة هيمنة، كعين استعمارية تُحدّد المرئي والمحجوب.
وهنا تحديدًا، يتدخل العمل الفني ليزعزع فكرة الحقيقة نفسها، وفي هذا التوتر بين الصورة والصوت يتحسس المعنى ملامحه وسط الزيف يتشكّل المعنى.
أيّ تاريخ هذا الذي نصدّقه؟ وأيّ ذاكرة تلك التي نعيد إنتاجها دون مساءلة؟ تتهافت الأسئلة بين ثنايا التضاد بين ما نراه وما نسمعه وتتفتّح الشقوق في اليقين، ويغرق المشاهد في حالة قلق معرفي، وهي ربما أصدق حالة يمكن أن يطمح إليها الفن.
ضمن هذا السياق، يبدو استحضار فلسطين ولبنان وإيران في كلمة عفاف بن محمود امتدادًا طبيعيًا لهذا الاختيار الفني. فكما يُعاد تفكيك الأرشيف في العرض، يُعاد تفكيك الخطاب السائد في الكلمة.
فالحروب لا تُختزل في أرقام، والتاريخ لا يُختزل في رواية واحدة، وهناك دائمًا ما لم يُروَ، وما لم يُصوَّر، أو ما صُوّر من زاوية واحدة.
هذا الوعي هو ما يمنح مهرجان قابس سينما فن خصوصيته، فهو لا يكتفي بعرض أفلام، بل يخلق سياقًا فكريًا يجعل من كل عرض جزءًا من حوار أوسع.
وفي مدينة قابس، حيث تتقاطع الصحراء بالبحر، وتتشابك الجغرافيا بالتحولات، يبدو هذا الرهان أكثر دلالة حيث تُصنع مساحة للفن خارج المراكز التقليدية، ويُعاد تعريف العلاقة بين الهامش والمركز.
صلب السياق العالمي المشحون يتنزل مهرجان قابس سينما فن من خلال خياراته الفنية، فنحن أمام عالم يعيد إنتاج أزماته، ويغرق في سرديات متناقضة، حيث تصبح الحقيقة نفسها موضع نزاع ويغدو الفن ضرورة لإعادة طرح الأسئلة، ولكسر الصمت، ولمقاومة النسيان.
وفي كل أقسامه يحرص المهرجان على تأكيد هذه أن نقول وأن نرى من كل الزوايا وأن نعيد السرد، ذلك أن الفن قادر على تغيير الطريقة التي نرى بها العالم وفي هذا التغيير، تبدأ كل إمكانية أخرى.
في استعادة السينما الكلاسيكية، عبر “شفيقة ومتولي” و“العرس”، لا يكتفي المهرجان باستحضار ذاكرة سينمائية، بل يعيد طرح سؤال: ماذا يبقى من الفن حين يعبر الزمن؟ في “شفيقة ومتولي”، يعود الجسد التمثيلي لسعاد حسني وأحمد زكي كأثر حيّ، لا كنوستالجيا جامدة. أما “العرس”، الذي خرج من رحم المسرح الجديد ليولد سينمائيًا، فيحمل داخله فكرة الاستمرارية: أن الفن، حين يُصاغ بصدق، يقاوم الفناء.
ضمن هذا السياق، يبدو استحضار فلسطين ولبنان وإيران في كلمة عفاف بن محمود امتدادًا طبيعيًا لهذا الاختيار الفني. فكما يُعاد تفكيك الأرشيف في العرض، يُعاد تفكيك الخطاب السائد في الكلمة. الحروب لا تُختزل في أرقام، والتاريخ لا يُختزل في رواية واحدة. هناك دائمًا ما لم يُروَ، ما لم يُصوَّر، أو ما صُوّر من زاوية واحدة.
هذا الوعي هو ما يمنح مهرجان قابس سينما فن خصوصيته. فهو لا يكتفي بعرض أفلام، بل يخلق سياقًا فكريًا يجعل من كل عرض جزءًا من حوار أوسع. في مدينة مثل قابس، حيث تتقاطع الصحراء بالبحر، وتتشابك الجغرافيا بالتحولات، يبدو هذا الرهان أكثر دلالة: أن تُصنع مساحة للفن خارج المراكز التقليدية، وأن يُعاد تعريف العلاقة بين الهامش والمركز.
ولا يمكن هنا تجاهل دور الجمهور، الذي أشارت إليه بن محمود بوصفه أحد أعمدة استمرار المهرجان. هذا الجمهور، الذي لا يكتفي بالمشاهدة، بل يشارك في بناء المعنى، يتحوّل إلى شريك في التجربة. في هذا التواطؤ بين العرض والمتلقي، تتجسد فكرة المهرجان كفضاء حيّ، لا كحدث عابر.
في النهاية، لا يمكن قراءة افتتاح هذه الدورة بمعزل عن السياق العالمي الأوسع. نحن أمام عالم يعيد إنتاج أزماته، ويغرق في سرديات متناقضة، حيث تصبح الحقيقة نفسها موضع نزاع. في مثل هذا العالم، لا يعود الفن ترفًا، بل ضرورة. ضرورة لإعادة طرح الأسئلة، لكسر الصمت، ولمقاومة النسيان.
ما فعلته عفاف بن محمود في كلمتها، وما جسّده عرض الافتتاح، هو التأكيد على هذه الضرورة. أن نقول، أن نرى، وأن نعيد السرد. ليس لأن الفن قادر على تغيير العالم بشكل مباشر، بل لأنه قادر على تغيير الطريقة التي نراه بها. وفي هذا التغيير، تبدأ كل إمكانية أخرى.