بلا مواربة وبلا لغة ناعمة اعتدنا استخدامها كلما اقتربنا من جرح المهنة، الحقيقة الأكثر مرارة هي أن الجسد الصحفي يعاني نزيفا داخليا حادا.
يتم إيقاف صحفي، فتتحول القضية إلى معركة بين الصحفيين، وتُتهم صحفية بأنها السبب، ويسارع البعض إلى تصديق الرواية أو إعادة تدويرها.
اسم يُرمى في العلن، وآخر يُسحب إلى التحقيق، وصفّ مهني كان يفترض أن يكون جبهة واحدة يتحول إلى شظايا تتقاذفها الخلافات.
أي جسد صحفي هذا الذي نريد إنقاذه، إذا كنا نحن أنفسنا ننهش ما تبقى منه؟
إيقاف محمد اليوسفي ليس واقعة تخصه وحده وما عبرت عنه سيدة الهمامي قبل الايقاف لا ينبغي أن يتحول إلى محكمة شعبية أخرى.
المسألة تتجاوز الاسمين، وأخطر من اختزالها في أسئلة من قبيل من تسبب؟ ومن أخطأ؟ ومن ورّط من؟
فهذه الأسئلة قد تكون الفخ الأسهل، فأخطر ما يمكن أن يحدث للصحافة ليس أن يختلف صحفيان، بل أن يُدفع الصحفيون إلى النظر إلى بعضهم باعتبارهم المشكلة لتصبح اللعبة أكثر ذكاءً وتتجاوز المنع والقمع،
اضرب الصحفي، ثم اترك الصحفيين يتشاجرون حوله.
اسحب واحدا إلى التحقيق، ودع الآخرين يتساءلون إن كان يستحق التضامن.
افتح ملفا، ودعهم يبحثون عن اسم يحمّلونه المسؤولية.
ضع صحفيا في دائرة الاتهام، ودع زملاءه ينقسمون بين من يدافع عنه ومن يلومه ومن يراقب بصمت.
وهكذا لا تحتاج السلطة إلى إسكات الجميع دفعة واحدة.
يكفي أن تجعل كل واحد منهم يخشى أن يكون التالي، وأن يشك في زميله، وأن يفكر ألف مرة قبل أن يكتب، وأن يصبح التضامن معه مشروطا بمقدار الاتفاق معه.
هكذا تُروّض السلطة المهنة، ويصبح الخوف أقوى من الرقابة.
ونحن، اليوم أمام صحافة ينهكها أكثر من شيء في الوقت نفسه، ضغط الخارج، وهشاشة الداخل، وتعب اقتصادي ومهني، وانقسام نقابي ومهني، وخصومات شخصية وايديولوجية تتسلل إلى صميم العمل الصحفي.
ثم نسأل: “لماذا يحصل كل هذا”؟
لأننا أضعفنا الجسد الذي كان يفترض أن يحميهم.
والهيكل النقابي، مهما قيل فيه، ليس سيارة إطفاء تصل بعد أن يحترق البيت، والنقابة القوية ليست ترفا، إنها مسألة بقاء.
ونحن نحتاج إلى هيكل نقابي أقوى، أكثر قدرة على التحرك، وأكثر احتواء للصحفيين، والأهم أن يكون ميناء تضامن.
نحن في حاجة ماسة إلى التضامن، لأن الصحفي الذي تتركه وحيدا لأنه لا يشبهك، قد تجد نفسك مكانه في يوم آخر.
وهذه ليست رومانسية نقابية، هذه أبسط قواعد النجاة. وأما انتظار الخلاص الجماعي، فقد آن الأوان للاعتراف بأنه صار وهما.
نحن نكرر عبارة “الصحفيون صف واحد” أكثر من ممارستها، ونرفع شعار الوحدة عند الأزمات، ثم نعود إلى انقساماتنا بمجرد أن تهدأ العاصفة.
نطالب بالتضامن، لكننا نمارسه أحيانا وفق القرابة والموقف والانتماء والعلاقة الشخصية.
نريد حرية الصحافة، بشرط ألا يكون الصحفي المختلف هو الذي يحتاج إليها.
أي نفاق مهني هذا؟
لا يمكن أن تكون الحرية امتيازا للذين نتفق معهم، إما أن تكون حقا للجميع، أو أنها ليست حرية.
وإما أن يكون الصحفي جديرا بالدفاع عنه حتى حين نختلف معه، أو أننا لا ندافع عن الصحافة، بل عن أنفسنا فقط.
محمد اليوسفي وسيدة الهمامي ليسا القضية كلها. القضية هي ذلك الجسد الذي صار كلما أصيب عضو منه، انشغل باقي الجسد في البحث عن شماعة للإصابة بدلا من محاولة وقف النزيف.
لقد نجحنا، إلى حد بعيد، في تحويل بعض قضايانا المهنية إلى حفلات لتبادل الاتهامات.
وهذا أكثر إيلاما لأن فقدان الثقة بين الصحفيين، يحتاج سنوات من الترميم
ولذلك، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط مع ما يأتي من خارج المهنة. إنها أيضا مع قدرتنا على ألا نسمح بتحويل الخوف إلى كراهية، والاختلاف إلى تخوين، والإيقافات إلى مناسبة لتصفية الحسابات.
نحن نحتاج إلى صحافة متماسكة، نحتاج إلى أن يفهم الصحفي أن زميله ليس خصمه وأن نقد العمل الصحفي شيء، وتسليم صاحبه للعزلة شيء آخر.
وأن المحاسبة المهنية شيء، وتحويل الصحفي إلى متهم دائم شيء آخر.
نحتاج إلى أن نجيد معنى عبار “لا تتركوا الصحفي وحيدا”
لقد أكل الوضع من المهنة كثيرا، وأكلت الخلافات أكثر، وأكلت الحسابات الصغيرة ما تبقى من روح جماعية كان يفترض أن تكون خط الدفاع الأول.
والآن، أمام جسد صحفي يتآكل، لا يكفي أن نبكيه كلما سقط عضو منه.
علينا أن نعيد بناءه، أن نقوّي نقابته، وأن نعيد تعريف التضامن، وأن نحمي الاختلاف، وأن نفصل الخلاف المهني عن الصراع الشخصي، وأن نتوقف عن صناعة “مذنبين” داخل البيت كلما طرقت الأزمة بابه.
لأن الذين يريدون صحافة ضعيفة لا يحتاجون دائما إلى إسكاتها.يكفي أن يجعلوا أبناءها يشكون في بعضهم.
والذين يريدون صحافة خائفة لا يحتاجون إلى اعتقال الجميع.يكفي أن يشك كل صحفي أن زميله قد يكون أول من يضعه في قفص الاتهام.
وهنا، يصبح الخلاص الجماعي وهما، لأننا لم نعد نعرف إن كنا نريد إنقاذ بعضنا أصلا، وهذه، ربما، هي الهزيمة الأكبر.
فالصحافة لا تموت فقط عندما يُغلق فمها، تموت أيضا عندما يفقد الذين يمارسونها القدرة على الوقوف إلى جانب بعضهم.