تم صباح اليوم، الأربعاء 14 جانفي 2026، بقاعة الريو، الاعلان عن تأسيس “التنسيقية الوطنية لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين”، وذلك خلال ندوة صحفية دعت إليها عائلات المساجين ومجموعات إسنادهم، في خطوة تهدف إلى توحيد الجهود الحقوقية والنضالية للدفاع عن كل من سُلبت حريته بسبب موقف أو رأي أو نشاط سياسي أو مدني.
وأكد القائمون على المبادرة أن مفهوم “المعتقلين السياسيين” لا يقتصر على سجناء المعارضة الحزبية، بل يشمل كل من أُودع السجن بقرار سياسي، سواء تعلّق الأمر بنشطاء المجتمع المدني أو الصحفيين أو المعبّرين عن آرائهم، في سياق تشهد فيه البلاد تصاعدا في وتيرة المحاكمات والاعتقالات.
وفي هذا الإطار، أوضحت أستاذة القانون العام بكلية العلوم القانونية والاجتماعية والسياسية بتونس وعضو التنسيقية سناء بن عاشور أن المبادرة “لا تُعنى بسجناء العمل السياسي فقط، بل تشمل سجناء المعارضة والعمل المدني والتعبير عن الرأي والصحافة، أي كل سجين بسبب وقرار سياسي”، معتبرة أن السجين السياسي هو “كل من عوقب لمعارضته نظام الحكم أو لإبدائه رأيا حرا لا ينسجم مع سياسات السلطة”.
وأضافت بن عاشور أن تأسيس التنسيقية، وإن جاء متأخرا، فإنه يسعى إلى جمع مكونات مختلفة “توحّدها أوضاع المحاكمات غير العادلة والسجن”، مشددة على أن الظلم “يضرب الجميع بالآلة نفسها، مهما اختلفت توجهاتهم الفكرية أو السياسية”.
وتضم التنسيقية، وفق ما أُعلن، عائلات المساجين السياسيين، ومجموعات الإسناد، ولجنة مساندة أحمد صواب، وحركة “نساء ضد الظلم والاستبداد”، وتنسيقيات مناهضة تجريم العمل المدني، ورابطة عائلات المساجين، إلى جانب هيئات الدفاع من محامين ومحاميات.
ولا تهدف هذه المبادرة، بحسب مؤسسيها، إلى تعويض لجان الدفاع أو الإسناد القائمة، بل إلى التشبيك والتنسيق بينها من أجل جعل التحركات الميدانية أكثر نجاعة، وبناء “سردية مواجهة لواقع الظلم”، كما عبّرت عن ذلك سناء بن عاشور، التي وجهت رسالة إلى المعتقلين بالقول:
“لقد التقطنا نضالكم ونسعى إلى إطلاق سراحكم”.
وجاء في البيان التأسيسي للتنسيقية أن “السلطة تعتمد السجن أداة للحكم ووسيلة لغلق فضاء التعبير”، معتبرا أن من واجب القوى المدنية والحقوقية “استعادة الفضاء العام عبر تحويل السجون إلى ساحات نضال ومقاومة للاستبداد”. وأكد البيان أن التنسيقية مفتوحة أمام جميع العائلات والأقارب وهيئات الدفاع والإسناد، من دون أي فرز أو استثناء، للدفاع عن كل من حُرم من حريته على خلفية سياسية.
وشددت التنسيقية على أن معركة إطلاق سراح المساجين لا يمكن اختزالها في المسار القانوني والقضائي، في ظل ما تصفه بغياب ضمانات المحاكمة العادلة، معتبرة أن الرهان الأساسي يبقى كسب معركة الرأي العام الوطني واستعادة الفضاء العام من محاولات مصادرته.
وربط البيان السياق الحالي بالذكرى الخامسة عشرة لثورة 17 ديسمبر/14 جانفي، معتبرا أن هذه الذكرى تحلّ “في ظل ترسّخ نظام استبدادي قائم على احتكار السلطة وتوظيف الخوف أداة للحكم”، مع إخضاع القضاء لتعليمات السلطة وتحويله، وفق نص البيان، إلى أداة لتصفية الخصوم وتجريم الكلمة الحرة.
وفي السياق نفسه، اعتبرت التنسيقية أن البلاد تحوّلت إلى “سجن كبير”، مشيرة إلى ارتفاع عدد المساجين بآلاف خلال سنتين، نتيجة ما وصفته بسياسات تعتمد “المؤامرة تفسيرا والحبس حلا”، مع توظيف تهم خطيرة وأحكام ثقيلة في محاكمات تفتقد إلى أبسط شروط العدالة.
ويتزامن إعلان هذه المبادرة مع تزايد القلق حول الوضع الصحي لعدد من المحامين والحقوقيين المعتقلين، من بينهم أحمد صواب والعياشي الهمامي، في ظل تأكيد هيئات الدفاع تدهور حالتهما الصحية داخل السجن.
من جهته، أكد المحامي وعضو التنسيقية كريم المرزوقي أن اختيار تاريخ 14 جانفي للإعلان عن المبادرة ليس اعتباطيا، بل يأتي “كمحطة نضالية لتوحيد الصفوف والعمل المشترك من أجل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين”، مشددا على أن التنسيقية ستكون إطارا حقوقيا جامعا لتنسيق مختلف التحركات وكشف الانتهاكات ومساندة العائلات.
في الختام، يأتي الإعلان عن تأسيس التنسيقية الوطنية لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين في تونس متزامنا مع الذكرى الخامسة عشرة للثورة، وفي سياق وطني مشحون يتقاطع فيه المسار الحقوقي مع رهانات الذاكرة الثورية ومستقبل الحريات العامة في تونس.
أميمة زرواني