بينما تواصل فيه السينما الأردنية ترسيخ حضورها على الساحة العربية والدولية، يبرز اسم مهند البكري بوصفه أحد أبرز الفاعلين في مسار بناء هذا القطاع، من خلال عمله مديرًا عامًا للهيئة الملكية الأردنية للأفلام.
فمن استقطاب الإنتاجات العالمية، إلى الاستثمار في المواهب المحلية، وصولًا إلى دعم الحكايات الأردنية القادرة على عبور الحدود، تشكل التجربة الأردنية اليوم نموذجا لسينما تنمو بخطوات متدرجة، لكنها ثابتة.
في هذا الحوار مع رياليتي أون لاين، يتحدث البكري عن رحلة بناء الصناعة السينمائية في الأردن، والتحولات التي شهدها القطاع خلال السنوات الأخيرة، ودور التدريب والبنية التحتية في صناعة جيل جديد من السينمائيين، كما يتطرق إلى مستقبل الإنتاج العربي المشترك، وكيف يمكن للسينما الأردنية أن تحافظ على هويتها المحلية وهي تنفتح على العالم.
بعد سنوات من العمل على بناء صناعة سينمائية أردنية، هل تشعرون اليوم بأن الأردن دخل مرحلة الصناعة فعلا، أم ما زال في مرحلة التأسيس؟
صراحة، إذا أردتُ أن أنظر إلى التطور الحاصل في السينما الأردنية خلال العشرين سنة الماضية، يمكنني القول إن خطوة مهمة تحققت في علاقة بالاستثمار في المحتوى الأردني.
وهذا ليس فقط مقياسا أسوقه من وجهة نظري، فالأمر ينعكس عبر وصول هذه الأفلام عالميا، وهي تحكي قصصا تشبه أُخرى في العالم، لكن لها طابعها الأردني، وإبداعها الأردني.
أنا أعتقد ، الحمد لله، في الوقت الحالي نحن ننافس بطريقة أو بأخرى ، ليس فقط في الوطن العربي، بل حتى عالميا.
وإذا عدنا قليلا إلى الوراء، كان الأساس في الهيئة الملكية للأفلام العمل على مشاريع تطوير وتدريب لصناع الأفلام المهتمين، الذين كانوا في البداية يشتغلون على مشاريع أجنبية يتم تصويرها في الأردن، مثل Star Wars أو Aladdin أو الكثير من أفلام هوليوود.
وفي مرحلة من المراحل، تحديدا في فترة كورونا، لم يعد هناك مجال لأية إنتاجات خارجية في الأردن، فاستثمرنا في المحتوى الأردني والقصص الأردنية.
وهذه المرحلة كانت سبيلا لصناعة قصص متجذرة في هويتنا وتنفتح على الآخر، ولم تعد شراكتنا أجنبية بالضرورة واصبحت عربية.
والبرامج التدريبية التي نعمل عليها في الهيئة تستفيد من تجارب خبراء عرب في الصورة أو كتابة السيناريو أو الإنتاج أو المونتاج. وهذا يعزز السينما الأردنية والمشهد السينمائي العربي بشكل عام.
يعني اليوم هناك توازن بين استقطاب الانتاجات العالمية، وبناء صوت سينمائي أردني مستقل مع الانفتاح على المنطقة العربية؟
صحيح …
يُنظر إلى Olivewood Studios بوصفها خطوة مفصلية. ما الذي تريدون أن تضيفه هذه الاستوديوهات إلى السينما العربية، لا إلى الأردن فقط؟
فكرة تأسيس الاستوديوهات كانت مبادرة من جلالة الملك، وهي واحدة من لبنات صناعة الأفلام، بالأخص لخدمة المشاريع الأجنبية اللي يتم تصويرها بالأردن، وهنا نتحدث عن بعد اقتصادي.
فصناع الأفلام الذين كانوا يحلون بالأردن للتصوير بالصحراء أو القرى أو المدن وكانوا يستكملون مسارات الفيلم في أماكن أخرى بها استوديوهات.
ونحن أسسنا نظاما اقتصاديا متكاملا يتيح لأي إنتاج أجنبي أو عربي أن يصور في الأردن بمواقع مختلفة، ويستكمل مشروعه داخل الاستوديوهات.
وقد استخلصنا درسا مهما جدا، وتعلمنا كيف يمكن أن نكتسب قدرات للترويج لهذا الاستوديو حتى يكون موجها للأردنيين والعرب، ومع التطور التقني، دائمًا صناع يبحثون عن الأفضل.
كثيرون يتحدثون عن البنية التحتية، لكن الصناعة تبدأ بالإنسان. أين أصبح رهانكم على التكوين وصناعة جيل جديد من التقنيين والمنتجين؟
معظم البرامج التدريبية ليست موجهة فقط للأردنيين، وإنما للعرب أيضا. بدأنا ببرنامج اسمه راوي لكتاب السيناريو، وكان بشراكة مع Sundance Institute. وهو من أول البرامج التي بدأنا نشتغل عليها وكان من أهم أسباب إطلاقه وجود نقص في كتابة السيناريو والخبراء في ذلك.
وكنا ندعو خبراء من الوطن العربي، ومن بقية العالم. وهذه البرامج تطورت، وما عادت تشمل فقط لكتابة السيناريو، وشملت المسلسلات، ومرحلة ما بعد الإنتاج والإخراج، والإنتاج. وأسست بنية تحتية تمنح صناع الأفلام قدرات ومهارات ليمضوا في مسيرتهم بنجاح.
الدورة السابعة من مهرجان عمّان السينمائي الدولي تحمل شعار “ما وراء الإطار”، ما الذي ترونه اليوم خارج إطار الفيلم نفسه ؟
من منظور قطاع السينما، ما وراء السينما هناك ماهو أوسع مما رأيناه على الشاشة، نحن نتطلع إلى أثر الفيلم وقدرته على خلق حوار وتواصل.
وهذا يبني ثقافة، ونتمنى في يوم من الأيام أن نصل إلى المستوى الموجود بتونس لأننا تعلمنا منها كيف يمكن أن يكون لنا ثقافة سينمائية وأصوات تحكي بحرية دون قيود ..
كيف تتحقق المعادلة بين الحكاية الأردنية النابعة من المجتمع والهوية الأردنية، وبين محاولة صناعة نموذج لسينما أردنية تكسر الصور النمطية؟
وأنا أجيب عن هذا السؤال أتطلع إلى تجربة “ذيب” لناجي أبو نوار ، هو واحد من الأفلام الذي يعكس شغف المخرج الذي تلقى تدريبا من الهيئة، وصنع فيلما بأقل الموارد المالية، لكن بأعلى مستوى من الحنكة في طريقة حكي القصة، وإلى اليوم يتحدث الناس عن هذا الفيلم.
إذا تحدثنا عن عمر صناعة الأفلام بالأردن فهو حوالي 25 أو 27 سنة، ومثل ما ذكرت، الأردن كانت دائما وجهة لتصوير الأفلام الأجنبية، وهذا أعطانا فرصة إنه نركز أكثر على قصصنا.
بعد كل ما تحقق، ما هو المشروع الذي تعتبرونه الحلقة الناقصة في المنظومة السينمائية الأردنية؟
أنا أرى أنه من بين الأشياء التي يجب أن نركز عليها في الوقت الحالي، هو الإنتاج المشترك. الإنتاج المشترك، مهم جدا، لأنه يفتح المجال لميزانيات أكبر، وخبراء أكثر داخل المشروع.
نحن خضنا إنتاجات مشتركة مع بلجيكا ومع كندا، لكن لماذا نتطلع دائما إلى الخارج؟ لماذا لا نبحث عن شراكات في الوطن العربي؟ أعتقد أن هذا التعاون العربي يمكن أن يدر إنتاجات سينمائية غزيرة.