تستعدّ مدينة الثقافة الشاذلي القليبي بتونس العاصمة لاحتضان الدورة الخامسة من المعرض الوطني للكتاب التونسي، من 23 أكتوبر إلى 1 نوفمبر 2026، ببرنامج ثقافي متنوع يجمع بين الأدب والشعر والنشر والترجمة والمسرح والسينما والفنون التشكيلية والموسيقى، إلى جانب أنشطة موجّهة للأطفال واليافعين وفعاليات تستكشف إمكانات التكنولوجيا الحديثة في تطوير صناعة الكتاب والمحتوى الثقافي.
وتمنح هذه الدورة مكانة خاصة لولاية نابل، ضيف الشرف، من خلال الاحتفاء بثلاثة أعلام من أبنائها، هم المؤرخ والأكاديمي توفيق البشروش، والشاعر والباحث الاجتماعي الصادق شرف، والفنان التشكيلي والنحات رؤوف قارة، في مبادرة تستعيد إسهاماتهم في الثقافة التونسية وتسلّط الضوء على تجاربهم في مجالات التاريخ والأدب والفنون البصرية.
ويقدم المعرض إصدارات جديدة أو إتاحة لقاء مباشر بين الناشرين والقراء، كما يفتح المجال أمام نقاشات تتصل بواقع الكتاب التونسي ومستقبل النشر، وحقوق الملكية الفكرية، والتحولات التي تفرضها الوسائط الرقمية والذكاء الاصطناعي على الكتابة والإنتاج الثقافي وطرائق القراءة.
نابل ضيف الشرف: احتفاء بالتاريخ والأدب والفنون
تحضر ولاية نابل في هذه الدورة من خلال تكريم ثلاثة أسماء تركت بصمتها في المشهد الثقافي التونسي، لكل منها مسار مختلف يجمع بين البحث والإبداع والممارسة الفنية.
ويأتي المؤرخ والأكاديمي توفيق البشروش في مقدمة هذه الأسماء، باعتباره من أبرز ممثلي المدرسة التاريخية الحديثة في تونس، ومن أساتذة الجيل الأول الذين ساهموا في إرساء دعائم التعليم العالي بعد الاستقلال. وُلد في 14 جوان 1936 بدار شعبان الفهري، وحصل على دكتوراه الدولة في التاريخ الحديث والمعاصر من جامعة السوربون بباريس، وكان من مؤسسي قسم التاريخ بالجامعة التونسية سنة 1968، كما تولّى عمادة كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس وإدارة قسم التاريخ بمركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية.
وتعكس مؤلفاته اهتمامه بتاريخ المجتمع التونسي وتحولاته السياسية والاجتماعية والفكرية، ومن أبرزها “التشكيل الاجتماعي البربري والسلطة في تونس خلال القرن السابع عشر” الصادر سنة 1977، و”الولي الصالح والأمير في “» سنة 1989، و”ربيع العربان: أضواء على أسباب ثورة علي بن غذاهم سنة 1864″ سنة 1991، و”جمهورية الدايات في تونس: 1591-1675″ سنة 1992، و”أزمة الضمير التونسي في القرن التاسع عشر” سنة 2014، و”إسلامولوجيا عالمة” سنة 2022.
أما الصادق شرف، المعروف باسم “أبو وجدان”، فيمثّل تجربة أدبية جمعت الشعر والبحث الاجتماعي والنقد والنشر. وُلد سنة 1942 بمنزل تميم، وعمل معلماً ومديراً بالمدارس الابتدائية قبل أن يدرّس اللغة العربية وآدابها بمعاهد في وهران والجزائر العاصمة. كما تولّى أمانة تحرير مجلة “الفكر” بين سنتي 1978 و1986، وأسّس مجلة “الأخلاء” سنة 1977، ثم دار “أبو وجدان” للطبع والنشر والتوزيع.
وتتجاوز حصيلته خمسين مؤلفاً بين الدواوين الشعرية والرواية والدراسات النقدية والمقالات، من بينها “شواطئ العطش” و”الحب مع تأجيل التنفيذ” و”حروف تجر الفعل الماضي” و”بحجم الحب أكون” و”لغة الأغصان المختلفة”. وقد تحصّل على جوائز أدبية، من بينها جائزة الدولة للشعر سنة 1979 عن ديوان “شواطئ العطش”، وجائزة بلدية تونس العاصمة سنة 1981 عن ديوان “بحجم الحب أكون”، إلى جانب تتويجات أخرى. كما ساهم في تأسيس مهرجان الشعر العربي الحديث بالجريد ومهرجان يوسف التميمي للموسيقى بمنزل تميم.
ويكتمل هذا التكريم بالفنان التشكيلي والنحات رؤوف قارة، المولود في 18 جويلية 1947 بقليبية، والذي تكوّن أكاديمياً بالمعهد العالي للفنون الجميلة بتونس، قبل أن يواصل تطوير تجربته الفنية من خلال مرسمه “دار قارة للفنون” بقليبية.
وتقوم تجربته على الجمع بين الرسم على القماش والنحت التجميعي باستخدام مواد طبيعية مرتبطة بالبحر والساحل، ضمن رؤية فنية يصفها بمفهوم “الجيولوجيا التصويرية”، حيث تتحول اللوحة إلى طبقات تختزن الزمن والألم والأمل. وقد أقام معارض متنوعة، من بينها “ألوان قرطاج” سنة 1998، ومعرضه الاستعادي “والحياة تستمر” سنة 2016، ومعرض “وتستمر الحياة” بالمكتبة الوطنية بتونس سنة 2017، ومعرض “آثار” بقصر خير الدين سنة 2024. كما تحصّل سنة 2023 على الجائزة الوطنية الأولى للفنون البصرية ضمن الدورة الثالثة لأيام قرطاج للفن المعاصر، عن لوحته “رمشة عين”.
وتمنح هذه الاختيارات لتكريم أعلام نابل بعداً يتجاوز الاحتفاء الفردي، إذ تجمع بين كتابة التاريخ، والإبداع الأدبي، والتعبير التشكيلي، بما يبرز تنوع المسارات الثقافية التي أسهمت في تشكيل الذاكرة التونسية.
من الشعر والقصة إلى الرواية والترجمة: أسئلة الكتابة التونسية
يحتل الأدب موقعاً أساسياً في البرنامج الثقافي للمعرض، من خلال سلسلة من اللقاءات والندوات والقراءات التي تتناول الأجناس الأدبية وأسئلتها الراهنة، وتتيح المجال لتبادل التجارب بين الكتاب والباحثين والقراء.
ويفتتح البرنامج الثقافي يوم السبت 24 أكتوبر بندوة حول أدب الطفل، إلى جانب قراءات شعرية يشارك فيها عدد من الشعراء، من بينهم رحيم جماعي وعادل همامي ونزار الحميدي وناظم بن إبراهيم وأفراح الجبالي وجهاد المثناني وعادل معيزي.
كما ينتظم لقاء حول حضور الشعر في الأجناس الأدبية، بمشاركة آدم فتحي بالعربية والدكتورة هند السوداني بالفرنسية.
ويخصص يوم الأحد 25 أكتوبر حيزاً للقصة القصيرة، من خلال لقاءات وشهادات تستعيد مسارات هذا الجنس الأدبي في تونس، وتبحث في اتجاهاته وتحولاته ومدى حضور الدراسات المتعلقة به خارج الحدود الوطنية. ويشارك في النقاش نور الدين بن خود ورضا بن صالح وسمير المسعودي، إلى جانب استضافة أعضاء من نادي القصة وشهادات يقدمها صالح الدمس ونافلة ذهب وأحمد ممّو.
وتحضر الرواية بدورها ضمن برنامج يوم الاثنين 26 أكتوبر، عبر نقاش يحمل عنوان “الرواية في تونس: مسترسل أم جزر؟”، بمشاركة مسعودة بوبكر وجليلة الطريطر وعلي العباسي، فضلاً عن جلسة مخصصة لتكريم الصادق شرف، برئاسة جلول عزونة ومداخلات لنعيمة الحمامي وبشير مشرقي وجلول عزونة، وشهادات يقدمها الروائيون حسنين بن عمو والصحبي الكرعاني وخديجة التومي.
وتفتح هذه اللقاءات المجال أمام مساءلة تطور الكتابة الأدبية التونسية، والعلاقات بين الأجناس، وطرق تداول النصوص والتعريف بها، فضلاً عن التحديات التي تواجه الكتاب في سياق تتغير فيه عادات القراءة والنشر.
ولا يغيب الجانب المهني لصناعة الكتاب عن البرنامج، إذ يخصص يوم الأحد 25 أكتوبر ندوة للناشرين حول النشر والقرصنة، تتناول حقوق الملكية الفكرية والقرصنة الإلكترونية وتأثيراتها على النشر الرقمي. ويشارك في النقاش محمد العمايري وعماد العزابي ورياض شنيتر.
ويأتي هذا المحور في سياق تتزايد فيه التحديات المرتبطة بحماية حقوق المؤلفين والناشرين، مع اتساع تداول الكتب والمحتويات عبر الوسائط الإلكترونية، وما يرافق ذلك من أسئلة حول التوازن بين سهولة الوصول إلى المعرفة وضمان حقوق أصحاب الأعمال الفكرية.
كما يخصص يوم الثلاثاء 27 أكتوبر للكتاب المترجم في تونس، من خلال شهادات تتناول الترجمة من الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والروسية، بمشاركة آمنة الوزير وراشد خليفة وميمونة حشاد وهيفاء الطرابلسي.
ويتواصل النقاش عبر ندوة حول الترجمة المختصة، بعنوان “ما بعد التحكم في اللغتين: خبرة الاختصاص”، بمشاركة عبد العزيز العيادي في الفلسفة، وحمادي بن جاب الله في العلوم، وآمال قرامي في الأديان. ويطرح هذا المحور مسألة التخصص المعرفي باعتباره أحد شروط الترجمة الدقيقة، في وقت تتجاوز فيه الترجمة مجرد نقل المفردات إلى نقل المفاهيم والخبرات بين اللغات والثقافات.
المسرح والسينما والفنون التشكيلية: الكتاب فضاء للإبداع
يتجه البرنامج يوم الأربعاء 28 أكتوبر إلى المسرح، من خلال لقاءات تتناول العلاقة بين الكتابة المسرحية والكتابة الركحية، وحركة اللغة والجسد في العرض، والحوار المسرحي بين النص والركح. ويشارك في هذه اللقاءات توفيق الجبالي وفاضل جعايبي وحمادي المزي، إلى جانب فوزية بلحاج وعبد الحليم مسعودي وحمدي الحمايدي، فيما يتولى حبيب بيدة وسامي بن عامر ووصال العش تأثيث جانب من النقاشات المبرمجة.
أما يوم الخميس 29 أكتوبر، فيخصص للسينما تحت عنوان “السرد بعدسات تونسية”، مع ندوة حول اقتباس السينما، برئاسة أنس كمون وبمشاركة كمال بن وناس ومحمد بوحجر، وباستضافة الجمعية التونسية للنهوض بالنقد السينمائي.
ويتضمن البرنامج عروضاً ونقاشات بحضور مخرجين سينمائيين، من خلال أفلام “راعي النجوم” لمراد بن الشيخ، و”جنون أستاذ” لسعد بن حسين، و”سجين الروايات” لإبراهيم لطيف. ويتيح هذا المحور التفكير في العلاقة بين النص الأدبي والصورة السينمائية، وفي إمكانات تحويل الحكاية المكتوبة إلى لغة بصرية، وما تفرضه عملية الاقتباس من اختيارات جمالية وسردية.
وفي اليوم الموالي، الجمعة 30 أكتوبر، يعود المعرض إلى الفنون التشكيلية من خلال محور “الكتاب فضاء تشكيلياً”، في لقاءات تبحث في الحروفية والنحت والكتاب الفني الفاخر، بمشاركة نجا المهداوي والهاشمي مرزوق ومحمد صالح بالطيب. كما ينتظم لقاء لتكريم المؤرخ توفيق البشروش، برئاسة نور الدين الدقي ومشاركة عبد الجليل بوقرة وعمارة بن رمضان.
ويختتم البرنامج الثقافي يوم السبت 31 أكتوبر بمحور “الكتاب والموسيقى”، في لقاء يديره فتحي زغندة بمشاركة بثينة الغريبي ولسعد قريعة، إلى جانب فقرة بعنوان “ألحان وكتاب: قصائد تونسية مغناة”، بإشراف إدارة الموسيقى والرقص.
وتكشف هذه المحاور عن تصور للكتاب ينظر إليه باعتباره نقطة التقاء بين الأدب والمسرح والسينما والفنون البصرية والموسيقى، ومجالاً لتبادل التجارب بين مختلف أشكال التعبير.
الطفل واليافعون: القراءة تجربة تفاعلية
يحتل الأطفال واليافعون مكانة بارزة في الدورة الخامسة، من خلال برنامج يمتد من 24 أكتوبر إلى 1 نوفمبر، ويجمع بين ورشات المطالعة والعروض الفنية والمسرحية والأنشطة التفاعلية والتجارب الرقمية.
وتتوزع الأنشطة بين المكتبة العمومية بمدينة الثقافة وقاعة المبدعين الشبان وبهو مدينة الثقافة، وتشمل ورشات مطالعة موجهة يشرف عليها مؤطرون بالتعاون مع المندوبيات الجهوية للتربية والمكتبات العمومية، إلى جانب عروض فنية ومسرحية تسعى إلى تقديم الحكاية والقراءة بأساليب قريبة من اهتمامات الأطفال.
ومن بين العروض المبرمجة “السدّ مرة أخرى”، و”رؤية”، و”الأميرة والسباك”، و”ذاكرة وطن”، و”القراءة وقود الإبداع”، و”من همس الحكايا إلى سحر الخيال”، و”فطيمة”، و”قبعة الحكايات”، و”رسائل من الفضاء”، و”كرنفال الحكايات”.
كما يتضمن البرنامج ورشات في الفن التشكيلي باستخدام الواقع المعزز، وصناعة القصة الرقمية، والرسكلة وإعادة التدوير والفرز الذكي، فضلاً عن ألعاب الذاكرة التفاعلية للتعريف بالتراث التونسي. ويختتم برنامج الأطفال واليافعين يوم الأحد 1 نوفمبر بحفل توزيع الجوائز.
وتعكس هذه الأنشطة توجهاً نحو تنويع الوسائط المعتمدة في تنمية علاقة الناشئة بالكتاب، من خلال الجمع بين المطالعة والتعبير الفني واللعب والتكنولوجيا، بما يتيح لهم الانتقال من موقع المتلقي إلى المشاركة في إنتاج الحكاية واكتشاف إمكاناتها.
الكتاب والذكاء الاصطناعي: حضور للاقتصاد الثقافي الرقمي
يمثل برنامج مركز تونس الدولي للاقتصاد الثقافي الرقمي أحد المحاور اللافتة في هذه الدورة، إذ يخصص سلسلة من الأنشطة والعروض التي تستكشف التحولات التي تشهدها صناعة الكتاب في ظل التطور التكنولوجي، من الكتب الصوتية إلى القراءة الرقمية والذكاء الاصطناعي وإنتاج القصص المصورة.
وتنطلق البرمجة يوم الجمعة 23 أكتوبر بمحور “الكتاب والابتكار الرقمي”، من خلال تقديم تجارب ثقافية مبتكرة ومشاريع لمؤسسات ناشئة تعمل على تطوير المحتوى الثقافي والكتاب باستخدام التكنولوجيا، إلى جانب جلسات استماع لعينات من الكتب الصوتية والتجارب السمعية الرقمية.
ويتواصل البرنامج يوم السبت 24 أكتوبر تحت عنوان “الكتاب والصوت: من القراءة إلى الاستماع”، عبر جلسات مخصصة للكتب الصوتية والتعريف بدورها في تطوير علاقة القارئ بالنص، إلى جانب تقديم سلسلة «الراوي الصغير» التي تجمع بين الحكاية والتراث والوسائط الرقمية.
أما يوم الأحد 25 أكتوبر، فيركز على الذكاء الاصطناعي والكتابة الإبداعية، من خلال تقديم قصة “باديببو” (BAdiboo)، التي يصفها البرنامج بأنها أول قصة مصورة في تونس يتم إنتاجها بواسطة الذكاء الاصطناعي، مع التعريف بمراحل إنتاجها والتقنيات المعتمدة فيها، وعرض نماذج تطبيقية لتوظيف هذه التكنولوجيا في إنتاج المحتوى الثقافي والكتابي.
وتتواصل الأنشطة خلال الأيام التالية، مع تقديم تجارب المؤسسات الناشئة المحتضنة بالمركز، وعرض حلقات من سلسلة «الراوي الصغير»، وجلسات استماع إلى الكتب الصوتية، وتجارب تفاعلية في صناعة المحتوى الموجه للأطفال.
ويخصص يوم الخميس 29 أكتوبر مائدة مستديرة بعنوان “الكتاب والكتابة في العصر الرقمي: من الذكاء الاصطناعي إلى تجارب القراءة الجديدة”، تتيح مناقشة التحولات التي تفرضها التكنولوجيا على الكتابة والإنتاج والتلقي.
كما يتناول البرنامج يوم الجمعة 30 أكتوبر الانتقال من الكتاب الورقي إلى التجربة الرقمية، من خلال تقديم منصة OREADZ، واستعراض تجارب القراءة الرقمية والصوتية، والتعريف بمشاريع المؤسسات الناشئة التي تطور محتويات ثقافية باستخدام التكنولوجيا.
ويختتم هذا المحور يوم الأحد غرة بلقاءات مفتوحة للتعريف بمنصة OREADZ وتجربة خصائصها في القراءة والكتاب الصوتي، إلى جانب جلسات استماع واكتشاف لأبرز التجارب التي شهدها المعرض.
ويطرح هذا البرنامج سؤالاً يتجاوز مجرد استخدام الأدوات الرقمية إلى التفكير في مستقبل الكتاب نفسه وكيف يمكن للتكنولوجيا أن توسع إمكانات الوصول إلى المعرفة، وأن تتيح أشكالاً جديدة من السرد والقراءة، من دون إغفال قضايا الجودة وحقوق الملكية الفكرية ودور الكاتب في العملية الإبداعية.