في “بروفة” لوليد الدغسني يتخطى الركح مساحة لاحتضان الحكاية، وتتجاوز الإضاءة عنصرا جماليا يرافق حركة الممثلين، ليشكلا معا مختبرا تتقاطع فيه الذاكرة مع أسئلة الوجود، ويتواجه فيه الإنسان مع التحولات التي تعيد صياغة علاقته بذاته وبالعالم.
من فضاء مسرحي مختزل، تنطلق الرحلة نحو عوالم متشعبة، تتداخل فيها الأزمنة، وتتجاور الأسئلة الكبرى عن الحياة والموت والنار والإنسان الأول والإنسان الثاني، وصولا إلى الخوارزميات وما تطرحه من احتمالات حول مستقبل الفرد وفرادته.
“بروفة” يحمل عنوان المسرحية، أكثر من دلالة، فالبروفة، في معناها المسرحي، هي الاستعداد لما سيأتي، ومحاولة اختبار الفعل قبل اكتماله، لكنها في سياق العرض تتجاوز هذا المعنى المباشر لتصبح استعارة عن الإنسان نفسه، وهو يعيش حالة اختبار دائم، كأنه لا يبلغ صورته النهائية أبدا، أو كأن وجوده ليس سوى تمرين متواصل على أن يكون شخصا آخر.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة صمود الذاكرة أمام المتغيرات بوصفه صراعا على المعنى، فحين تتغير شروط الحياة، تتمحور الهواجس حول القدرة على الاحتفاظ بعلاقة حية مع الماضي، وحماية ما يمنح تجاربنا خصوصيتها من التحول إلى مجرد معلومات قابلة للتخزين والاسترجاع.
فكلما اتسعت قدرة التكنولوجيا على حفظ المعلومات، ازدادت الحاجة إلى مساءلة معنى الذاكرة الإنسانية وتتهاطل الأسئلة….
هل يكفي أن نتذكر حتى نحافظ على ذواتنا؟ أم أن الذاكرة، بما تحمله من انفعالات وألم ورغبات وتناقضات، تتجاوز استعادة المعلومات لتحاكي تجربة لا يمكن فصلها عن الجسد وعن الحياة التي عاشها الإنسان؟
من الإنسان الأول إلى الإنسان الثاني.. أي مصير للإنسان؟
يستدعي الإنسان الأول، في هذا السياق، صورة الإنسان في بداياته، حين كانت علاقته بالطبيعة والنار والحياة والموت جزءا من صراعه المباشر من أجل البقاء. أما الإنسان الثاني فيمكن النظر إليه بوصفه احتمالا لإنسان تشكل في ظل تحولات جديدة، تتداخل فيها التكنولوجيا مع تفاصيل وجوده، وتعيد فيها الخوارزميات رسم علاقته بالمعرفة والاختيار والآخرين.
لكن المسافة بين الإنسانين ليست بالضرورة مسافة تقدم خطي من البدائي إلى المتطور، ولا يبدو السؤال محصورا في ما كسبه الإنسان من أدوات وقدرات.
الأهم هو ما قد يفقده في أثناء هذا التحول، وما إذا كانت كل قفزة تكنولوجية تقابلها بالضرورة قفزة في فهم الذات.
إن استحضار الإنسان الأول إلى جانب الإنسان الثاني يتيح قراءة الحاضر باعتباره لحظة مفصلية في تاريخ الوجود الإنساني، لحظة لم يعد فيها الخطر مقتصرا على مواجهة الطبيعة أو الموت، هو أيضا متصل بإمكانية أن يفقد الإنسان بعضا من استقلاليته، وأن يعجز عن التمييز بين ما يصدر عن إرادته وما تصوغه الأنظمة المحيطة به.
وبين الإنسان الذي واجه النار ليحمي حياته، والإنسان الذي يواجه اليوم عالما من الخوارزميات، تتغير أدوات الصراع، لكن سؤال البقاء يظل قائما.
فكيف يحافظ الإنسان على إنسانيته وهو يعيد تشكيل العالم من حوله؟
النار.. من اكتشاف الحياة إلى احتمال احتراقها
تحضر النار ضمن شبكة الإحالات التي يبنيها العرض، وهي صورة يمكن أن تتجاوز معناها المادي لتصبح مدخلا إلى التفكير في التحولات الكبرى التي عرفها الإنسان.
فالنار، في الذاكرة الحضارية، ترتبط بالاكتشاف والسيطرة على الطبيعة، وبالقدرة على تحويل شروط الحياة. لكنها تحمل في الوقت نفسه إمكانية التدمير، وتختزن في رمزيتها ازدواجية الخلق والفناء، والمنفعة والخطر.
ومن هذه الازدواجية يمكن الاقتراب من العلاقة التي تقترحها “بروفة” بين الإنسان وتحولاته، فالأداة التي تمنحه قدرة جديدة قد تصبح أيضا مصدر تهديد له، والاختراع الذي يوسع إمكاناته قد يعيد ترتيب حياته على نحو لا يقدر على التحكم فيه بالكامل.
وتكتسب هذه الإحالة دلالتها حين تجلس إلى جانب الخوارزميات والإنسان الثاني، فمثلما كانت النار علامة على تحول جذري في علاقة الإنسان بالعالم، يمكن النظر إلى التكنولوجيا المعاصرة باعتبارها تحولا آخر يمس علاقته بالمعرفة وبالقرار وبصورته عن نفسه.
غير أن السؤال لا يتعلق بالتكنولوجيا في ذاتها، وإنما بالشروط التي تحكم استخدامها، وبالحد الفاصل بين أن يمتلك الإنسان أدواته وأن يصبح هو نفسه جزءا من منظومة تتحكم في خياراته.
الخوارزميات.. حين يصبح الاختلاف مهددا بالتشابه
تبلغ أسئلة العرض منطقة أكثر اتصالا بالحاضر مع الإشارة إلى الخوارزميات والعوالم التي تجعل من الإنسان نسخة واحدة.
فالخوارزمية، باعتبارها آلية لمعالجة البيانات وترتيبها واستخلاص الأنماط منها، لا تتجلى كتفصيل تقني داخل العالم المسرحي، هي تشكل مدخلا إلى مساءلة العلاقة بين الفرد والمنظومات التي تحيط به. وفي عالم تتزايد فيه قدرة الأنظمة الرقمية على تصنيف السلوك وتوقعه وتوجيهه، يصبح السؤال عن حرية الإنسان سؤالا عن طبيعة الخيارات المتاحة له، وعن مدى قدرته على الخروج من المسارات التي ترسمها له هذه الأنظمة.
وبعيدا عن أن الخوارزميات تجعل البشر متشابهين بالضرورة، تكمن المفارقة في أن بعض أشكال استخدامها قد تدفع نحو التماثل، حين تعيد إنتاج الأنماط نفسها، أو تمنح الأفضلية لما هو قابل للقياس والتوقع والتكرار.
وهنا يكتسب مفهوم “النسخة الواحدة” ثقله الرمزي، فالإنسان الذي كان يسعى إلى إثبات فرادته، وإلى بناء هويته من خلال التجربة والاختيار والاختلاف، يجد نفسه أمام احتمال أن تتحول هذه الفرادة إلى مجموعة من البيانات، وأن يصبح قابلا للتصنيف ضمن أنماط جاهزة.
إنها مواجهة بين الإنسان بوصفه كائنا متناقضا، متقلبا، قادرا على تغيير رأيه ومفاجأة نفسه، وبين صورة أخرى للإنسان بوصفه نمطا يمكن توقعه وإعادة إنتاجه.
وفي هذا المستوى، تطرح “بروفة” سؤال المستقبل التكنولوجي وتلامس مسألة أكثر عمقا تتعلق باحتمالات قدرة الإنسان على أن يظل مختلفا في عالم يميل إلى توحيد التجارب وأن تكون قدرته على المفاجأة، وعلى الخروج عن المتوقع، إحدى آخر علامات حريته.
الأداء والإخراج.. الجسد في مواجهة الذاكرة والتحول
يتقاسم الممثلون منير العماري، وأسامة كشكار، وثواب العيدودي، وسندة أحمدي خشبة مسرح الريو في تجربة أدائية تتقاطع فيها الحركة والصوت والجسد مع تحولات النص وإيقاعاته الفكرية.
ولا تقتصر أدوارهم على تجسيد الشخصيات أو نقل الحكاية، إذ تتجاوز ذلك إلى المشاركة في بناء المعنى، عبر أجساد تتحول إلى حوامل للذاكرة، ووسائط للتعبير عن التوتر بين الإنسان وماضيه، وبين هويته وما يتهدده من تحولات.
في هذا المختبر المسرحي، تتشكل الأداءات ضمن إيقاع متغير، يراوح بين الصمت والانفعال، وبين السكون والحركة، بما يجعل الجسد جزءا من اللغة التي ينسجها العرض.
وفيما يتحول الصمت إلى مساحة لاستحضار المسكوت عنه، تصبح الحركة وسيلة لكشف الاضطراب الداخلي، أو تجسيد حالة التوهان التي ترافق رحلة الذاكرة.
ومن خلال تفاعل الممثلين وتوزعهم في الفضاء، تتعدد زوايا النظر إلى الأسئلة التي يطرحها النص، فلا يستقر المعنى في صوت واحد، ويتشكل تباعا عبر تقاطع الحضور الجسدي والإيقاع والأداء.
ويقود وليد الدغسني هذه العناصر ضمن رؤية إخراجية تقوم على اختزال الفضاء وتكثيف دلالاته، فتستغني الخشبة عن وفرة الديكور وتحول عناصره المحدودة إلى علامات مفتوحة على التأويل.
ويتحول الفضاء، بهذا الاختيار، من إطار ثابت للأحداث إلى مساحة تتبدل دلالاتها تبعا لحركة الأجساد وتغير الإضاءة وإيقاع المشاهد.
وتؤدي الإضاءة دورا يتجاوز الكشف البصري، إذ تسهم في محاكاة حالات الانغماس والتوهان، وفي رسم الانتقالات بين الحضور والغياب، وبين ما يستعيده الإنسان من ذاكرته وما يواجهه في حاضره.
كما تمنح توزيع الحركة المشاهد إيقاعا متقلبا، تتجاور فيه لحظات الاستقرار مع حالات التوتر، في انسجام مع عالم لا يكف عن إعادة تشكيل الإنسان واختبار قدرته على التكيف.
ولا يقدم الإخراج الأفكار في صورة خطاب مباشر، وإنما يترجمها إلى علاقات بصرية وجسدية وإيقاعية، تجعل المتفرج داخل التجربة، وتدعوه إلى بناء قراءته الخاصة لما يتكشف أمامه.
فالخشبة المختزلة تصبح فضاء رحبا للأسئلة، والجسد يغدو ساحة تتصارع فيها الذاكرة مع النسيان، والفرادة مع التماثل، والإنسان مع صورته المحتملة.
عودة غودو.. حين ينتهي الانتظار ولا يأتي الخلاص
تستدعي “بروفة” غودو، الشخصية التي ارتبطت في الذاكرة المسرحية بالانتظار المؤجل في مسرحية صمويل بيكيت “في انتظار غودو”، لكنها تقلب أفق التوقع حين تطرح أن غودو لن يعود.
إنها إحالة تستمد معناها من استحضار شخصية مسرحية شهيرة ومن إعادة فتح سؤال الانتظار نفسه. ففي عالم بيكيت، يتواصل الانتظار رغم غياب اليقين، ويصبح الزمن دائرة تتكرر فيها الأفعال والوعود، من دون أن يتحقق الوصول المنتظر.
أما حين يصبح غودو، في أفق “بروفة”، شخصية لن تعود، فإن الانتظار يفقد موضوعه، ويصبح مطالبا بمواجهة استحالة تحققه، لتسقط فرضية الخلاص المؤجل لحساب فرضية الخلاص المنعدم.
هذه الإحالة، تتقاطع مع عنوان المسرحية، فإذا كانت البروفة استعدادا لما سيأتي، فماذا يحدث حين لا يأتي المنتظَر؟ ولمن نؤدي هذه البروفة إذا كان المستقبل الذي نستعد له لن يتحقق بالصورة التي تخيلناها؟
يمكن قراءة غياب غودو أيضا كدعوة إلى مواجهة الحاضر، باعتبارها مسؤولية لا يمكن تفويضها إلى شخصية غائبة أو قوة منتظرة.
فالإنسان الذي اعتاد تأجيل لحظة المواجهة قد يجد نفسه أمام ضرورة إعادة النظر في علاقته بالانتظار، وبالوعود التي ينظم حياته على أساسها.
ومع ذلك، لا يلغي هذا التأويل احتمال أن يكون غياب غودو امتدادا للعبث، لا خروجا منه. فعدم العودة قد لا يحرر الإنسان من الانتظار، يتركه، أيضا، أمام فراغ أكبر، حيث لا ضمانات لأن تكون الخطوة التالية أكثر وضوحا من الخطوات السابقة.
“بروفة”.. هل يستطيع الإنسان كتابة دوره بنفسه؟
ماذا يحدث للإنسان حين تصبح هويته قابلة لإعادة التشكيل، وحين لا يعود الماضي ضمانة لاستمراريته، ولا المستقبل وعدا واضحا بالخلاص؟ سؤال مركزي تتجمع حوله خيوط “بروفة”.
من الذاكرة إلى النار، ومن الإنسان الأول إلى الإنسان الثاني، ومن الخوارزميات إلى غياب غودو، تتشكل شبكة من الإحالات التي تضع الإنسان أمام تحولات لا يمكن اختزالها في بعدها التقني أو التاريخي. إنها تحولات تمس معنى أن يكون الإنسان إنسانا، وأن يمتلك القدرة على الاختيار، وأن يحافظ على اختلافه في عالم يميل إلى إنتاج الأنماط المتشابهة.
ولعل العنوان يعود في النهاية ليمنح هذه الأسئلة إطارها الأكثر كثافة. فالبروفة ليست مجرد استعداد للعرض، بل قد تكون استعارة عن وجود لم يستقر بعد، وعن إنسان ما زال يختبر صورته، ويتردد بين ما ورثه من ذاكرة وما تفرضه عليه التحولات.
لكن هل تكون البروفة فرصة لاكتشاف الذات، أم أنها تتحول إلى حالة من التكرار، حيث يعيد الإنسان أداء الأدوار نفسها من دون أن يبلغ لحظة اكتماله؟
في هذا التوتر بين الاستعداد والتكرار، وبين الذاكرة والنسيان، وبين الفرادة والاستنساخ، تفتح “بروفة” أفقها التأويلي. فهي لا تقدم، من خلال هذه الإحالات، إجابات نهائية بقدر ما تضع المتفرج أمام أسئلة تتصل بحاضره ومصيره، وتدعوه إلى التفكير في الإنسان الذي كانه، والإنسان الذي يصير إليه، والإنسان الذي قد يتحول إلى نسخة منه.
فإذا كان غودو لن يعود، وإذا كانت الذاكرة وحدها لا تكفي لضمان بقائنا كما نحن، فهل ما زال في وسع الإنسان أن يكتب دوره بنفسه، أم أنه يواصل البروفة داخل عالم سبق أن كتب له أدواره؟
ربما تكمن المفارقة في أن الإنسان، وهو يحاول الاستعداد لمستقبله، لا يعرف على وجه الدقة أي نسخة منه ستصل إليه. وربما لا يكون اكتماله هو الغاية، بقدر ما تكون حريته كامنة في قدرته على مراجعة الدور، وتغيير مساره، والخروج عن النص الذي أُعدّ له.
ففي عالم تتسع فيه إمكانات الاستنساخ، تظل البروفة مساحة لاحتمال آخر، هو أن يخطئ الإنسان، أن يتردد، أن يغيّر رأيه، وأن يرفض أن يكون الصورة التي يُنتظر منه أن يكونها.
وحين لا يعود غودو، ولا تكفي الذاكرة وحدها لإنقاذ ما كنّاه، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نؤدي أدواراً كُتبت لنا، أم أن في وسعنا، ولو في اللحظة الأخيرة، أن نرتجل حياة لم يسبق لأحد أن كتبها؟