في شهر رمضان، حين يتبدّل إيقاع المدن وتصبح الأزقة أكثر قابلية للإصغاء إلى حكاياتها القديمة، يختار مركز تونس الدولي للاقتصاد الثقافي والرقمي أن يفتح أبواب الذاكرة بطريقة مختلفة.
فالدورة الرابعة من برنامج “بيبان لمدينة” بتنظيم مركز تونس الدولي للاقتصاد الثقافي الرقمي بإشراف وزارة الشؤون الثقافية، لا تكتفي باستحضار التراث أو عرضه في قوالب احتفالية مألوفة، بل تقترح رحلة ثقافية وفنية تفاعلية تتقاطع فيها المدينة العتيقة مع التكنولوجيا، والذاكرة مع الذكاء الاصطناعي، والحجر مع الضوء والصوت.
يحمل شعار هذه الدورة، “بيبان لمدينة بين القيروان وتونس”، أكثر من معنى إذ لا يقتصر على مجرد إحالة جغرافية بين مدينتين عريقتين، بل هو استعارة لمسار رمزي يعبر الزمن التونسي ذاته.
فالقيروان، أولى الحواضر الإسلامية في إفريقية، تمثل الذاكرة الروحية العميقة، فيما تمثل المدينة العتيقة بتونس فضاء التفاعل الحضري المتجدد.
بين هاتين المدينتين تتحرك التجربة الثقافية لهذه الدورة، كأنها رحلة عبور بين بابين كبيرين في التاريخ التونسي.
اختارت التظاهرة أن تبدأ من المدينة العتيقة بالقيروان يومي 4 و5 مارس 2026، في مرحلة أولى ذات طابع تأملي وروحي، تتلاءم مع رمزية المدينة نفسها. فالقيروان ليست مجرد فضاء معماري أو معلم تاريخي، بل هي مدينة مشبعة بالرموز، حيث يصبح الحجر ذاكرة، والباب شاهدًا على العابرين.
في هذه المرحلة، تحول المركب الثقافي أسد ابن الفرات إلى واجهة ضوئية تتراءى عبرها الحكايات.
أما واجهة المبنى أصبحت شاشة عملاقة للضوء، كأنها جدار من الزمن يعكس طبقات التاريخ، فالعروض الضوئية لا تكتفي بإبهار بصري، بل تشتغل على فكرة تحويل العمارة إلى نص بصري حي.
من بين أبرز اللحظات الفنية عرض « نَفَس الحَجَر — Le Souffle des Pierres »، وهو عرض سردي بصري صوتي يستحضر شخصيتين من رموز التاريخ المتوسطي: حنبعل وعقبة بن نافع تتقاطع بينهما الأزمنة ، وكأن العرض يقترح قراءة جديدة لمسار الحضارات التي مرت من هنا، عبر أبواب تونس والقيروان.
غير بعيد عن ذلك، يتحول باب الجلادين إلى مسرح لذاكرة المدينة في عرض ضوئي رقمي بعنوان “وقت الحجر يولّي كلام… حجر يفيق… وذاكرة تحكي” حيث يصبح الباب شاهدا على تحولات المدينة، وحارسا صامتا يفتح دفاتره أخيرًا ليحكي.
أما زاوية سيدي عبيد الغرياني فتستعيد دورها التقليدي كفضاء للسكينة والمعرفة، من خلال عرض رقمي توعوي بإشراف الأستاذ عبد الستار عمامو يأخذ الزائر في رحلة تاريخية عبر أبواب القيروان، كاشفًا رموزها وسياقاتها التاريخية.
وإلى جانب ذلك تُقدَّم تجربة “بودكاست زمان مع الراوي الصغير”، حيث يظهر “آفاتار” مولد بالذكاء الاصطناعي ليقود الزوار في سرد حي يمزج بين الحكاية الشعبية والتقنية الحديثة.
هنا تحديدًا تتجلى فلسفة المشروع : الذكاء الاصطناعي لا يحل محل الذاكرة، بل يصبح وسيطا جديدا لروايتها.
إذا كانت القيروان تمثل لحظة التأمل، فإن المدينة العتيقة بتونس، التي تستضيف المرحلة الثانية من التظاهرة بين 12 و15 مارس 2026، تمثل لحظة الحركة والتفاعل.
فالمشروع يتحول هنا إلى مسار ثقافي رقمي يربط بين عدد من المعالم التاريخية في تجربة غامرة تجمع بين الواقع الافتراضي والواقع المعزز والذكاء الاصطناعي.
تنطلق الرحلة من ساحة القصبة، نقطة اللقاء الأولى، حيث يبدأ الزائر اكتشاف المسار الذي يقوده عبر طبقات المدينة.
من هناك يمر المسار بـ ضريح العلامة عبد الله ترجمان، الذي يستعيد ذكرى أحد أبرز شخصيات الفكر في تاريخ تونس، ثم يصل إلى قبر الجندي المجهول، في لحظة تأمل وطنية تربط بين الذاكرة التاريخية والذاكرة الوطنية.
عند باب منارة، يتحول الباب التاريخي إلى فضاء عرض تفاعلي يعتمد تقنية التركيب الضوئي، حيث تنبعث الذاكرة الجماعية لأبواب المدينة من باب سويقة، وباب جديد، وباب القصبة وغيرها حيث تصبح الأبواب مجددًا رموزًا للعبور بين الأزمنة.
ويمر الزائر بعد ذلك عبر مسار ضوئي رقمي يكشف جمال الأزقة المعمارية للمدينة العتيقة، كأن الضوء نفسه يعيد رسم خطوط المدينة.
في ساحة جامع القصر، تقدم تجربة “أصداء المدينة”، وهي محطة رقمية غامرة تعتمد طاولة تفاعلية تتيح للزائر استكشاف خريطة المدينة وربطها بالقيروان عبر منظور بصري ومعرفي جديد. إنها تجربة تعيد رسم العلاقة بين المدينتين، بوصفهما ذاكرتين متداخلتين.
وفي المعهد الوطني للتراث، دار حسين، تتخذ التظاهرة بعدًا آخر، حيث يلتقي التراث مع ريادة الأعمال الرقمية من خلال سوق المؤسسات الناشئة حيث تعرض مشاريع تستخدم التكنولوجيا لإعادة تخيل التراث، مثل تجربة “على بابين” التي تعتمد الذكاء الاصطناعي لتقديم سرد شخصي متكيف مع موقع الزائر، أو تجربة “إلي ورا البيبان” التي تمزج بين الخزف اليدوي والواقعين المعزز والافتراضي.
كما يقدم مشروع “Herit’Touch” مجسمًا تفاعليًا ثلاثي الأبعاد يجمع بين الضوء والصوت والوساطة الثقافية الرقمية متعددة اللغات.
وتتواصل الرحلة عبر فضاءات أخرى مثل دار محسن التي تستضيف حلقات إضافية من بودكاست “زمان مع الراوي الصغير”، ودار الصفاقسية التي تحتضن معرضًا لصور مولدة بالذكاء الاصطناعي حول “خرافات المدينة”، وصولًا إلى دار الحداد حيث يقدم الأستاذ عبد الستار عمامو عروضًا رقمية حول تاريخ تونس وأبوابها، إلى جانب قصص مصورة للأطفال تشجعهم على اكتشاف تراث مدينتهم.
وما تقترحه تظاهرة “بيبان لمدينة” يتجاوز فكرة البرمجة الثقافية التقليدية، فالمشروع يطمح إلى تحويل المدن العتيقة إلى مختبرات ثقافية مفتوحة، حيث تتقاطع الفنون الرقمية مع التاريخ، ويصبح الزائر جزءًا من التجربة لا مجرد متفرج عليها.
في زمن تتغير فيه طرق استهلاك الثقافة بسرعة، يطرح هذا المشروع سؤالًا مهمًا: كيف يمكن للتراث أن يعيش في العصر الرقمي دون أن يفقد روحه؟
الجواب الذي تقترحه هذه الدورة يبدو واضحا : ليس عبر حفظه في المتاحف فقط، بل عبر إعادة سرد قصصه بلغة العصر.
وفي نهاية المطاف، تبدو ” بيبان لمدينة” وكأنها تجربة عبور حقيقية : عبور بين القيروان وتونس، بين الماضي والمستقبل، بين الحجر والضوء.
فالمدينة العتيقة ليست مجرد مكان، بل نص مفتوح، وكل باب فيها هو بداية حكاية.