قبل أن تنطفئ الأضواء داخل قاعة الأوبرا، كان شيء من عالم “بَكْمَة” قد تشكّل خارج الشاشة. في ساحة المسارح بمدينة الثقافة، أقفاص وسكاكين وسواطير وجثة مقطّعة الأوصال. مشهد يستقبل الجمهور بما يشبه مسرح جريمة، ويضعه منذ اللحظة الأولى أمام مفردات العالم الذي يستعدّ لدخوله.
لا يتعلق الأمر بديكور تمهيدي يثير الفضول، هي محاولة لنقل التجربة السينمائية إلى ما قبل المشاهدة، فلا يدخل المتفرّج إلى الفيلم من باب الحكاية وحدها، وإنما من خلال فضاء مادي يستحضر الجريمة وآثارها.
بهذا المدخل، يهيّئ عبد الحميد بوشناق المتفرج لمواجهة عالم يتجاوز فيه العنف الحادثة الطارئة إلى احتمال يتكرّر ويتسرّب إلى تفاصيل الحياة اليومية.
وعلى الخشبة يتسرب صوت ياسمين الديماسي قبل العرض ليعري زيف العالم ويستحضر المهمشين والمستضعفين والإبادة والتقتيل والاغتصاب وغيرها من الفظاعات.
وفي كل التفاصيل المحيطة بعرض “بكمة” يظهر أن المسألة أعمق من مقدار الدم الذي يمكن أن تستوعبه الصورة ومن قدرة المشاهد على احتمال القسوة.
المسألة تتعلّق بما يمكن أن تكشفه هذه القسوة عن العلاقات التي تنتج العنف، وعن المجتمع الذي يتعايش معه، وعن الصمت الذي يسمح له بأن يستمرّ.
العنف خارج استثنائيته
في الفيلم تتجاور أشكال متعدّدة من العنف، من قتل الكلاب السائبة والتنمر على الأطفال، بما في ذلك العنف الذي يصدر عن الأهل، والإدمان وما يترتّب عليه من عواقب، وصولا إلى إخراس الصحافة.
هذه الوقائع متباعدة في مصادرها ونتائجها، لكنّ اجتماعها داخل عالم الفيلم يتيح قراءة العنف باعتباره شبكة من العلاقات، لا سلسلة من الأفعال المنفصلة.
تنبع أهمية هذا الاختيار من أنّ العنف ليس أسير شخصية شريرة أو جريمة يمكن عزلها عن بقية الأحداث. إنّه يتوزّع على فضاءات مختلفة، من الشارع إلى الأسرة، ومن الجسد الفردي إلى المجال العام.
وما يجمع هذه الفضاءات هو اختلال العلاقة بالقوة، طرف يمتلك القدرة على الإيذاء، وآخر يجد نفسه في موقع الضعف، فيما تتحوّل ممارسة الأذى، في بعض الحالات، إلى سلوك يعيد إنتاج نفسه.
ويكتسب العنف الموجّه إلى الأطفال دلالة خاصة، لأنّ الأسرة، التي يُفترض أن توفّر الحماية، قد تتحوّل إلى مصدر للخوف والإذلال.
وتتزعزع الحدود التي تفصل بين الأمان والخطر، ويصبح المكان الذي يُفترض أن يتعلّم فيه الطفل معنى الثقة هو نفسه المكان الذي يتعلّم فيه الانكسار. وتكمن قسوة هذا العنف في أثره المباشر وفي إمكان انتقاله من تجربة يتعرّض لها الطفل إلى نموذج يتشرّبه ويعيد إنتاجه لاحقا.
ومن هذا المنطلق، ليس العنف مجرّد انفجار غضب، هو سلوك يمكن أن يتعلّمه الإنسان داخل علاقاته الأولى، وأن يتعايش معه إلى أن يصبح جزءا من تصوّره عن العالم.
وقد تبدو فكرة أن العنف في بعض أشكاله نتيجة لما لم نتعلمه عن حدود الاستقواء على الآخر من أكثر الأفكار إرباكا.أما الإدمان، فيفتح مسارًا آخر لقراءة الهشاشة الإنسانية وتداعياتها.
وقد نجحت الأحداث في بناء تصور متكامل عن آليات العنف، ودفعت كثافة المآسي أحيانا إلى تلقيها كصدمات متراكمة في شكل سينمائي قادر على جعل المشاهد يفهم ما وراء الأذى.
ياسين.. شخصية غائبة وشرّ بلا وجه
من أكثر الاختيارات إثارة للتأويل شخصية “ياسين”، الذي لا نراه في الفيلم إلا طفلا ولا نعرف من يؤديه. إنّه غائب عن الصورة، لكنه حاضر في دلالتها، لا يمتلك وجها يمكن تثبيته في الذاكرة، ولا ملامح تساعد المتفرّج على وضعه في خانة الشخصيات التي يعرفها أو يستطيع اختزالها في صورة واضحة.
ولعلّ قوة هذه الشخصية تكمن تحديدا في هذا الغياب. فنحن لا نُمنح وجها نعلّق عليه الشرّ، ولا جسدا يحصر العنف في صاحبه.
يبقى “ياسين” خارج المجال المرئي، بينما يستمرّ أثره في تشكيل تصورنا عمّا يحدث. وبذلك يتجاوز السؤال هويته الفردية إلى إمكان وجوده في محيطنا، في أشخاص لا تبدو عليهم بالضرورة علامات استثنائية، لكنّهم يستبطنون العنف ويعيدون إنتاجه.
لا نريد أن نعرف من يؤدي ياسين، وربما لا نحتاج إلى أن نعرفه أصلا، لأنّ غياب الوجه يسمح بقراءة تتجاوز البحث عن شخص بعينه. فمثل “ياسين” كثيرون، أو هكذا يدفعنا الفيلم إلى التفكير، أشخاص لا يعلنون عن عنفهم بالضرورة، ولا يظهرون دائما في صورة الجاني الواضح، لكنّهم يسهمون في إنتاج مناخ يجعل الأذى ممكنًا.
ومع ذلك، فإنّ إخفاء الشخصية لا يضمن وحده هذا العمق، فالشخصية الغائبة لا تتحوّل إلى أداة تأويلية فعّالة إلا حين يكون غيابها جزءا من بناء درامي محكم.
وهذه الفكرة الفكرة لم تبق معلّقة لأنها وظيفتها الرمزية تجاوزت حدود الغموض ونجح هذا الاختيار في ما أتاحه من أثر في الشخصيات والأحداث، وفي تحوّل الغياب إلى قوة فاعلة في السرد.
ويضع “ياسين”، كما يتراءى من موقعه داخل التجربة، المتفرّج أمام احتمال أكثر إزعاجا من صورة الشرّ الصريح، وهي أن يكون العنف أقل ارتباطا بوحش استثنائي، وأكثر التصاقا بأشخاص “عاديين” وبعلاقات اجتماعية لا ننتبه إلى ما تختزنه من قسوة إلا بعد وقوع الأذى.
وحين لا يمنحنا الفيلم وجهًا نضع عليه اللوم، يصبح السؤال موجّها إلينا أيضا، كيف نميّز العنف حين لا يأتي في صورة واضحة؟ ومتى نكتشف أنّ ما اعتبرناه سلوكً عابرا كان، في الحقيقة، جزءا من منظومة أوسع؟
حينما تعتلٍ الحقيقة …
في صورة الصحفي الذي قُطعت يده ولسانه، وخُرّبت أذناه وفُقئت عيناه، يبلغ العنف مستوى يتجاوز الاعتداء على الجسد إلى الاعتداء على وظائفه. فهذه الأعضاء ليست تفاصيل تشريحية عابرة، إنها ترتبط، في القراءة الرمزية، بأدوات الصحافة نفسها، اليد للكتابة والعمل، واللسان للكلام والشهادة، والأذنان للاستماع، والعينان للرؤية والملاحظة.
إنّ الجسد هنا يتحوّل إلى مساحة تتجسّد عليها محاولة إسكات الصحافة وتعطيل قدرتها على أداء دورها. لا يُمنع الصحفي من الكلام، وتُستهدف، على نحو متزامن، قدرته على الرؤية والسمع والكتابة. وكأنّ العنف يريد أن يضمن ألّا يرى الصحفي ما يحدث، وألّا يسمعه، وألّا يستطيع نقله إلى الآخرين.
ويمكن قراءة صورة الصحفي باعتبارها إحالة قاسية إلى صحافة تعيش حالة موت سريري، حضور شكلي لا يضمن القدرة على الفعل، وجسد باقٍ بعد أن جرى تعطيل الأدوات التي تمنحه وظيفته. إنّها صورة تتجاوز مصير فرد لتلامس سؤالا أوسع عن إمكان وجود صحافة حين تصبح الرؤية مخاطرة، والكلام تهديدا، والشهادة فعلا يستدعي العقاب.
والصورة تستمدّ قوتها من وضوح رمزيتها ومن فظاعة الوسيلة التي يُعبّر بها عن هذا التعطيل. فبدل أن يظلّ إسكات الصحافة فكرة مجردة، يصبح الجسد نفسه حاملا لها وهذا ما يجعل المشهد صادما.
الموسيقى… وسيلة لبناء القلق
لا تنفصل هذه الدلالات عن البناء الصوتي للفيلم، حيث تؤدي الموسيقى التي وضعها حمزة بوشناق دورا في تشكيل المناخ النفسي المشحون. فالنغمات المتوترة والمتقطعة، والإيقاعات الثقيلة، والتناوب بين الموسيقى والصمت، تجعل الصوت جزءا من التجربة التي يعيشها المتفرّج، لا مجرّد خلفية مرافقة للأحداث.
النغمة المتقطعة لا تمنح الإحساس بالاستقرار، فهي تنشأ ثم تنقطع، وتترك خلفها انتظارا لما قد يأتي. أما الإيقاعات الثقيلة فتضيف إلى هذا الانتظار ضغطا آخر، كأنّ الصوت يضع المتفرّج داخل حالة من الترقّب المستمر. لا يعني ذلك أنّ كل مقطع موسيقي يحمل بالضرورة الدلالة نفسها، لكنّ اجتماع هذه العناصر يتيح قراءة الموسيقى باعتبارها وسيلة لبناء القلق، وإبقاء الإحساس بالخطر حاضرا حتى في اللحظات التي لا يتقدّم فيها العنف بصورة مباشرة.
وتكمن أهمية الموسيقى السينمائية عند هذا المستوى في علاقتها بما لا يُقال وما لا يظهر. فالصورة تستطيع أن تعرض الاعتداء، لكنّ الصوت قادر على تمديد أثره النفسي، أو إبقاء التوتر قائما بعد انتهاء الفعل المرئي. وحين تتناوب الموسيقى والصمت، يصبح الصمت جزءا من تنظيم الصوت، لحظة يتراجع فيها ما نسمعه، لكنّ الإحساس بالخطر لا يتراجع بالضرورة معه.
هذا التوتر بين الصوت وانقطاعه ينسجم مع عالم تُخنق فيه الصرخات، ويصعب فيه تحويل الألم إلى شهادة مسموعة. وفيه، لا تعود الموسيقى استجابة انفعالية لما يحدث، إذ تساهم في صياغة علاقة المتفرّج بالأحداث، ولا تمنحه مسافة آمنة من العنف، ولا تسمح له بالاستقرار طويلًا في إيقاع مطمئن.
الألوان… جزء من وحدة جمالية تُعرّي العنف
بصريا، تبرز الألوان الساكنة والخافتة باعتبارها جزءا من المناخ الذي يحيط بالعنف. فهي لا تمنح المشاهد الدموية بريقا بصريا، ولا تجعل الصورة احتفالية أو جذابة على نحو يخفّف من فظاعتها. إنها تقيم مسافة بين برودة العالم المرئي وقسوة ما يجري داخله.
هذه البرودة قد تحيل إلى التناقض مع الانفعال الذي تثيره الأحداث، فالصورة لا تحتاج إلى ألوان صارخة كي تكون قاسية، ولا إلى تضخيم بصري دائم حتى تفرض ثقلها.
أحيانا، تكون الألوان الخافتة أكثر إزعاجا لأنها لا تمنح العنف مظهرا استثنائيا، بل تجعله يبدو كأنّه يحدث داخل عالم فقد قدرته على الدهشة.
وتنسجم الألوان الساكنة مع الإضاءة والتكوين وحركة الشخصيات وطبيعة المشاهد لتصنع وحدة جمالية تخدم العالم الدرامي.
وتتقاطع الصورة مع الصوت. فالألوان لا تثير الانفعال بالطريقة نفسها التي تثيره بها الموسيقى، لكنّ اجتماعهما يخلق توترا بين برودة المشهد وثقله النفسي. وتصبح التجربة أكثر تعقيدا حين تزيد الموسيقى الصورة، اضطرابا، أو حين يترك انقطاعها المتفرّج أمام مشهد لا يصاحبه ما يخفّف وطأته.
في هذا التداخل، تتشكّل لغة الفيلم الحسية، الصورة لا تقول كل شيء، والموسيقى لا تضيء عتمتها، والصمت لا يوفّر راحة نهائية، فيما يتجاوز البناء التراكم الانفعالي إلى إنتاج معنى.
نباح الكلاب.. يخترق صمتا جماعيا مريبا
في لحظة يسكت فيها كل شيء، يبقى نباح الكلاب، كأنّه يخترق صمتا جماعيا مريبا. ويكتسب هذا الصوت دلالته من علاقته بما سبقه من مشاهد العنف، ولا سيما قتل الكلاب السائبة. فهو يتعدّى صوتا حيوانيا في فضاء الفيلم، ليستدعي الأذى الذي تعرّضت له هذه الكائنات، ويعيد حضوره في لحظة يبدو فيها العالم البشري عاجزا عن الكلام.
وما يجعل النباح لافتا هو أنّه يأتي بعد الصمت، لا في ذروة الضجيج. فحين تتوقف الأصوات الأخرى، يصبح أكثر وضوحا، وكأنّ اختفاء الكلام يتيح لصوت آخر أن يكشف ما لم يُحسم. لا يحتاج هذا الصوت إلى كلمات كي يستدعي العنف، يكفي أن يبقى حاضرا بعد أن يسكت كل شيء، ليذكّر بأنّ الصمت لا يعني انتهاء ما حدث، وأنّ ما جرى قد يستمرّ في آثاره حتى بعد توقف الفعل نفسه.
ويمكن هنا قراءة النباح بوصفه امتدادا صوتيا للعالم الذي بناه الفيلم، عالم تُمارَس فيه القسوة على كائنات لا تملك دائما القدرة على الدفاع عن نفسها، وتُخنق فيه أصوات بشرية كان يُفترض أن تشهد على ما يحدث.
لكنّ هذه القراءة لا تجعل الصوت استعارة مغلقة، فقوته تكمن أيضا في بقائه صوتا ملموسا، مرتبطًا بالفضاء وبالكلاب التي يحضر أثرها في الفيلم.
وفي هذا الموضع، يلتقي الصوت بمعنى العنوان “بَكْمَة” كما يستدعيه عالم الفيلم، العجز عن الكلام ليس بالضرورة غيابا للصوت، مثلما أنّ وجود الصوت لا يعني أن أحدا يصغي إليه. قد يكون العالم ممتلئا بالأصوات، فيما يستمرّ العنف لأنّ هذه الأصوات لا تتحوّل إلى شهادة، أو لأنّ أحدا لا يريد أن يسمعها.
ويصبح الصمت أكثر من حالة صوتية. إنّه احتمال أخلاقي أيضا، صمت من يرى ولا يتدخل، ومن يسمع ولا يصغي، ومن يعرف ولا يريد أن يسمّي ما يعرفه. لا يعني ذلك أنّ كل صمت تواطؤ، لكنّ الفيلم، في جمعه بين الصحفي الذي تُعطّل حواسه والكلاب التي تتعرض للعنف والصرخات المخنوقة، يتيح التفكير في اللحظة التي يتجاوز فيها الصمت حدود العجز ليصبح شرطا لاستمرار الأذى.
بين الصدمة والنقد.. هل يكفي أن نرى العنف كي نفهمه؟
قد يشعر المتفرّج بالغثيان أمام بعض المشاهد، وقد تصبح مواصلة المشاهدة اختبارا جسديا بقدر ما هي تجربة فكرية. وهذا الأثر ليس تفصيلا يمكن تجاهله عند الحديث عن فيلم يجعل العنف جزءا أساسيا من عالمه. فالجسد الذي يشاهد يستجيب بدوره، ينفر، ويتوتر، ويحاول أحيانًا الابتعاد عمّا تفرضه الصورة.
لكنّ الصدمة، مهما كانت قوية، ليست معيارا كافيا للحكم على القيمة السينمائية. فالفيلم لا يصبح أكثر عمقًا لمجرّد أنّه أكثر قسوة، ولا تتحوّل المشاهد الدموية تلقائيا إلى نقد اجتماعي لمجرّد أنّها تثير الاشمئزاز. المسألة الأهم هي ما تفعله الصدمة بالمعنى، هل تدفع المتفرّج إلى إعادة التفكير في العلاقات التي تنتج العنف، أم أنّها تتركه أمام سلسلة من الصور القاسية التي يصعب احتمالها، لكنها لا تمنحه دائمًا أدوات لفهمها؟
ويمكن النظر إلى “بَكْمَة” من زاويتين متداخلتين. فمن جهة، يوسّع الفيلم مجال العنف، فلا يحصره في الجريمة المباشرة، بل يربطه بالأسرة والطفولة والإدمان والصحافة والعلاقة بالكائنات الأضعف. ومن جهة أخرى، يطرح هذا الاتساع تحديا فنيا بخصوص إمكانات جمع هذه المستويات المختلفة داخل بناء سردي لا يكتفي بتكثيف القسوة، ويكشف أيضا اختلاف دوافعها وآلياتها.
إنّ تراكم المآسي قد يمنح الفيلم إحساسًا بعالم مختلّ، لكنه قد يعرّضه أيضًا لخطر تسوية الفروق بين أشكال العنف. فالتنمر على طفل، وإيذاء الحيوانات، وتشويه صحفي، ليست أفعالًا متطابقة في دوافعها أو سياقاتها أو نتائجها، حتى إن اشتركت في إنتاج الأذى. وما يمنح المعالجة مزيدًا من العمق هو قدرتها على إظهار ما يربط هذه الأفعال من دون محو خصوصية كلّ منها.
والرمز حين يصبح مباشرًا أكثر مما ينبغي قد يضيّق مساحة التأويل، غير أنه في “بكمة” يندمج في البنية الدرامية ويخلق معنى يتجاوز الفكرة التي تبدو للوهلة الأولى واضحة.
ولا تظل جرأة الفيلم نظرية إذ تتجلى في تطوّر الشخصيات، وإيقاع المشاهد، وطريقة الانتقال بين الوقائع، وتوازن الصورة والصوت والحوار.
ما الذي يبقى بعد انطفاء الشاشة؟
من الساحة التي استقبلت الجمهور بأقفاص وسكاكين وسواطير وجثة مقطّعة الأوصال، إلى الصحفي الذي تُنتزع منه أدوات الشهادة، وصولًا إلى شخصية “ياسين” التي لا نراها، يبني “بَكْمَة” عالما تتجاور فيه صور العنف مع أشكال العجز عن مواجهته. وفي هذا العالم، لا يبدو الأذى منفصلا عن شروط اجتماعية تسمح له بالتكرار، ولا يبدو الصمت دائما بريئا من نتائجه.
وتكمن إحدى أهم إمكانات الفيلم في أنّه لا يمنحنا وجها واضحا لكلّ ما نخشاه.
“ياسين” غائب، والصحفي يُحرم من أدواته، والصرخات مخنوقة، ثم تأتي أصوات الكلاب لتبقى بعد أن يسكت كل شيء.
كل هذه الدلالات تتحول إلى بناء سينمائي متماسك، بحيث لا تبتلع الصدمة المعنى، ولا يصبح الرمز تفسيرا جاهزا، ولا القسوة غاية في ذاتها. فالمواجهة الحقيقية مع العنف لا تبدأ من رؤيته فحسب، إنما من فهم الطريقة التي يتشكّل بها، ومن التمييز بين ما يثير اشمئزازنا وما يستدعي مساءلتنا.
وحين يسكت كل شيء ويبقى نباح الكلاب، لا يبدو الصمت علامة على انتهاء العنف، بل على استمرار شيء منه خارج حدود الشاشة. هناك، حيث لا يقدر الفيلم على مواصلة الحكاية، تبدأ مسؤولية المتفرّج في الإصغاء إلى ما لم يُقل، وفي التساؤل عمّا إذا كان ما رآه استثناء سينمائيا، أم صورة مكثّفة لعالم اعتاد بعض أشكال القسوة إلى درجة أنّه لم يعد يراها.