يمثل مسرح الفاضل الجعايبي تجربة فريدة في الفن العربي المعاصر حيث يتجاوز مفهوم العرض التقليدي ليتحول إلى مختبر إنساني يفكك قضايا المجتمع والنفس البشرية بعمق وجرأة. وتعد مسرحية “جنون” التي انطلقت مطلع الألفية بمثابة الصرخة المدوية التي جسدت هذا المنهج، إذ لم تكن مجرد حكاية عن شاب يعاني من اضطرابات نفسية، بل كانت مرآة عاكسة لتصدعات داخل المجتمع والضغوط الاجتماعية التي قد تدفع بالفرد نحو حافة الانهيار.
اعتمد الجعايبي في هذا العمل على رؤية إخراجية تقتصد في الديكور وتركز بشكل كلي على جسد الممثل وقدرته على التعبير عن الألم المسكوت عنه، حيث تحولت الخشبة إلى فضاء مفتوح للمواجهة بين المريض “نون” وطبيبته النفسية التي جسدتها جليلة بكار ببراعة. ومن خلال هذا الحوار السيكولوجي، استطاع العرض أن يطرح تساؤلات حارقة حول حدود الحرية الفردية وسطوة السلطة الأبوية التي هي في النهاية نموذج مصغر لسطوة “النظام/السلطة”، معتبراً أن الجنون في كثير من الأحيان ليس إلا رد فعل طبيعي على واقع غير منطقي يتسم بالتهميش وغياب آفاق التواصل.
هذا التميز في الطرح والجماليات البصرية جعل من “جنون” علامة فارقة في تاريخ المسرح التونسي، حيث نجحت في الانتقال من المحلية إلى العالمية وعُرضت في محافل دولية كبرى مثل مهرجان أفينيون سنة 2002، لتثبت أن المسرح الصادق هو الذي يغوص في التفاصيل الدقيقة للألم الإنساني ليحوله إلى لغة عالمية يفهمها الجميع. وبذلك يظل أثر الفاضل الجعايبي في هذه المسرحية قائماً كنموذج للمسرح الملتزم الذي لا يكتفي بطرح الأسئلة بل يسعى لهز الوعي الجمعي وإعادة صياغة علاقتنا بالواقع.
تتخذ مسرحية “جنون” أبعاداً تحليلية تتجاوز حدود العرض المسرحي لتصبح دراسة سوسيولوجية ونفسية معمقة، وقد تناولتها قراءات نقدية سابقة وصفتها بأنها “مانيفيستو” لتعرية المسكوت عنه في المجتمع التونسي. يرتكز التحليل المعمق لهذا العمل على فكرة أن الجسد فوق الخشبة لا يؤدي دوراً بل يمارس “المقاومة”، حيث أن شخصية “نون” هي تكثيف لحالة العجز الجماعي؛ فالجنون هنا ليس خللاً بيولوجياً بقدر ما هو “لغة بديلة” لجأ إليها الفرد حين سُدّت في وجهه قنوات التعبير الطبيعية داخل الأسرة والمجتمع.
الفاضل الجعايبي وجليلة بكار اعتمدا منهجاً أطلق عليه “المسرح الَمشْرَح”، حيث يتم وضع الشخصية تحت مجهر النقد لتفكيك علاقتها بالسلطة الأبوية التي مثّلها “الأب” في المسرحية كرمز للقمع التاريخي والاجتماعي مقابل “تفسيخ كلي” Effacement total للأم التي لطالما كانت الملاذ الآمن لتتحول نقطة ضعف جديدة للمريض وجرح ينزف على الدوام. آما دور الطبيبة النفسية لم يكن تقليدياً، بل كانت تمثل “الوسط السمعي” الذي يمنح الشرعية لوجود المريض، فالعلاج النفسي في “جنون” لم يهدف إلى إعادة المريض إلى “الحظيرة الاجتماعية” كما هو متعارف عليه، بل إلى مساعدته على بناء هويته المستقلة حتى وإن كانت خارجة عن المألوف، مما يقلب موازين المفاهيم التقليدية حول الصحة والمرض.
على الصعيد الجمالي، كان استخدام الفراغ في سينوغرافيا الجعايبي كأداة تعبيرية تعكس “الفراغ الوجودي” الذي يعيشه البطل، فالإضاءة القوية والظلال الحادة تُبرز عزلة المريض وتجعل المشاهد شريكاً في حالة “الحصار النفسي”. “جنون” أعادت الاعتبار لـ “الهامش”؛ فالحي الشعبي، والفقر، واللغة العامية المكسّرة، كلها عناصر تحولت من مجرد خلفية للأحداث إلى أبطال فاعلين يفسرون لماذا يختار الإنسان “الجنون” كدرع أخير لحماية ما تبقى من إنسانيته.
على مستوى الدور العلاجي، نجحت “جنون” في تحويل المسرح إلى “عيادة عمومية”، حيث لم يعد العلاج النفسي حبيس الجدران الأربعة، بل صار قضية رأي عام تستوجب مراجعة المنظومات التربوية والاجتماعية. إن إعادة صياغة تجربة الألم في قالب فني سمحت للمتفرج بأن يرى جنونه الخاص في “نون”، مما خلق حالة من “التطهير الجماعي” ساهمت في كسر التابوهات المحيطة بالمرض النفسي، وجعلت من الفن وسيطاً لا غنى عنه في فهم النفس البشرية وإعادة ترميمها بعيداً عن الوصم والإقصاء.