من المعتاد أن تأتي الموسيقى التصويرية كخيط حريري يحيط بالنصّ ولا ينافسه، غير أنّ “الخطيفة”، كما صاغته المخرجة سوسن الجمني، يفرض علينا انحرافا لافتا في زاوية النظر.
فبين سيناريو لا يخلو من هنات، وممثلين أدّوا أدوارهم بوعي درامي ملحوظ مع بعض التفاوت، وزوايا تصوير تحسن اقتناص الصمت قبل الكلام، يبقى صوت لبنى نعمان، في تقديري، هو البوابة الأكثر صدقًا إلى وجع الحكاية.
ليس الجينيريك هنا عتبة عبور، بل قلب نابض يسبق السرد ويؤطره ويعيد تأويله، فمنذ النوتة الأولى، لا يدخل المتفرج إلى عالم “الخطيفة” عبر صورة، بل عبر رجفةصوتٍ يخرج من حنجرة لبنى نعمان محمّلًا بذاكرة الفقد.
ليست المسألة في جمال الصوت فحسب، وإن كان الجمال حاضرًا بوضوح، بل في قدرته على أن يتحول إلى مساحة اعتراف، فلبنى نعمان لا تغني فحسب بل تبوح وتضع في كل جملة موسيقية ذلك الانكسار الخفيف الذي يشبه شهقة أمّ تبحث في الفراغ عن أثرٍ لخطى صغيرها.
وقد اختارت سوسن الجمني أن تمنح هذا الصوت موقع الصدارة في تشكيل الوعي العاطفي للمسلسل وهو قرار إخراجي ذكي، لأنّ “خطيفة” ليس فقط حكاية “اختطاف”، بل حكاية أمومة مكسورة، وبيت فقد توازنه، ومجتمع لا يسمع جيدًا صراخ نسائه.
لذلك بدا الجينيريك (كلمات منذر فلاح وألحان مهدي المولهي) وكأنه اختزال درامي مكثف لأمّ تنادي، وصدى لا يعود وهنا يصبح الصوت بديلًا عن المشهد، أو لنقل إنه مشهد مسموع، يرسم ما تعجز الكاميرا أحيانًا عن قوله.
على مستوى البناء الموسيقي، لا يتورط العمل في زخرفة زائدة، فالتوزيع متقشف، يكاد يكون شفافًا، يفسح المجال أمام الطبقة الصوتية لتتقدم دون عوائق.
هذا التقشف اختيار جمالي واع لأنّ وجع الأم لا يحتاج إلى أوركسترا ضخمة، بل إلى مساحة صمت تحيط به كي يتضخم في القلب.
الآلات الموسيقية تبدو وكأنها تعرف حدودها، فلا تطغى على الجملة الغنائية، بل تتوارى لتترك للحنجرة مسؤولية الحكي.
أما الكلمات، فهي تنحو نحو البساطة العميقة فلا استعارات متكلفة ولا صور بلاغية مثقلة، خطاب مباشر ومؤثر يحاكي لغة الجرح التي تحكي بها الأم الموجوعة.
ولبنى نعمان تفهم هذا الوجع تُلقي الكلمات كما لو كانت تسحبها من بين ضلوعها، وكأنها تعيش في ثنايا اللوع لحظة الأداء وفي بعض المقاطع،
تنكسر النبرة وفي مقاطع أخرى تبدو وكأنها تلملم انكسارها.
نحن لا نسمع حشرجة البكاء الصريح ولكننا نستشعر مقاومة العبرات وهذا أشد وقعا على الأنفس.
وفي “الخطيفة” يتكامل الصوت مع الصورة في مقدمة المسلسل تكاملًا ذكيًا فاللقطات المختارة، بزواياها المائلة أحيانًا، وإضاءتها الخافتة، تعمّق الشعور بالاختلال.
كأن العالم فقد استقامته مع فقدان الطفل، لكنّ اللافت أنّ الصورة لا تتقدم على الصوت، كأن الجينيريك يعيد ترتيب أولويات التلقي: اسمع أولًا، ثم انظر، ثم أشعر، قبل أن تفهم.
وأغنية الجينيريك تشكل مدخلا شعوريا يُهيئ المتفرج لتلقي القصة من موقع التعاطف، لا من موقع الفضول البوليسي وتمنح المسلسل روحه
ثم إنّ اختيار صوت نسائي تحديدًا يحمل دلالة إضافية فالأمومة في “الخطيفة” ليست خلفية للأحداث، بل مركزها. لذلك بدا طبيعيًا أن يكون الصوت أنثويًا، دافئًا، مكسورًا وقويًا في الآن ذاته.
لبنى نعمان لا تمثل الأم بعينها، بل تمثل صورة الأم في وجدان جماعي وتجعل من الفقد تجربة مشتركة، لا قصة فردية.
في النهاية، قد نختلف حول تفاصيل الحبكة، أو حول أداء هذا الممثل أو ذاك، لكن من الصعب أن نختلف حول أثر صوت لبنى نعمان في “الخطيفة” إذ يشكل الصرخات المعلقة، فيتكفل بها الجينيريك نيابة عن الجميع.
وأغنية البداية مفتاح لفهم الوجع، وللدخول إلى بيتٍ انكسر فيه شيء لن يعود كما كان، ومع كل حلقة جديدة ينطلق نداء أمّ لا تزال تنتظر، ونحن، كمشاهدين، لا نملك إلا أن نصغي!