حين يُذكر اسم رشا رزق، تستيقظ في الذاكرة أصوات الطفولة وأغنيات رافقت أجيالا عربية كاملة وهي تكبر على أحلام “ريمي” و”القناص” و”أنا وأخي” وغيرها من الأعمال التي تحولت إلى جزء من الوجدان الجماعي.
لكن خلف هذا الصوت الذي سكن ذاكرة الأطفال، تقف فنانة اختارت منذ بداياتها أن تجعل من الموسيقى مساحة للبحث والتجريب والالتزام الإنساني، متنقلة بين الأوبرا والطرب والموسيقى البديلة والأغنية ذات البعد الفكري.
بمناسبة عودتها إلى تونس لإحياء حفل فردي في مسرح أوبرا تونس احتفاء بعيد الموسيقى العالمي، كان لنا هذا الحوار مع الفنانة السوريةرشا رزق، التي تحدثت عن الجمهور التونسي، وعن مسؤولية أن يتحول صوتها إلى جزء من ذاكرة أجيال كاملة.
كما فتحت قلبها للحديث عن الفن بوصفه أداة للتغيير وبناء الوعي، وعن هواجسها تجاه مستقبل الموسيقى في زمن الذكاء الاصطناعي، وعن الأمل الذي مازالت تسعى إلى زرعه في النفوس عبر الغناء.
وفي ما يلي انغماس في أسئلة الفن والإنسان، كما تراها واحدة من أكثر الأصوات العربية تفرّدا والتزاما:
ماذا يعني لكِ إحياء حفل في تونس ؟
تونس بلد الموسيقى وبلد الفنون وبلد الأصوات الجميلة التي لا تقارن بأي أصوات في العالم العربي وهذا رأي فني وأكاديمي قبل أن يكون رأيا عاطفيا.
أنا أعرف أن الجمهور التونسي صعب ولا يرضى بالفن الهابط وبالغث ولا يرضى إلا بكل جميل وثمين… شرف كبير ومسؤولية كبيرة وشوق كبير أن أعود إلى تونس للغناء بعد سنوات؟
كيف أعددت البرنامج الذي ستقدمينه للجمهور التونسي؟
اخترتُ برنامج الأغاني أنا والمايسترو شادي القرفي، شادي كان زميلا سابقا بدمشق نحن درسنا معا بمعهد الموسيقى وهو يعرف المدونة التي أغنيها بالاوبرا وغيرها، يعرف طبقة صوتي وماذا يناسبني وأردنا أن يكون هناك تنوعا وأن تشمل البرمجة في أول حفل فردي بتونس كل أوجه الأغاني التي أغنيها بكل الأنماط.
بعد مسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، كيف تنظرين اليوم إلى رحلتك الفنية بين الأوبرا والطرب والموسيقى البديلة وأغاني الرسوم المتحركة؟
أنا، أيضا، أسأل نفسي لماذا كل هذا التنوع؟ ربّما كان مهربا بالنسبة لي لأن شركات الإنتاج في العالم العربي تريد نمطا واحدا ولونا واحدا يغلب عليه الطابع الخفيف والتجاري، لا توجد جدية في الطرح الفني الموسيقي والمواضيع والألحان.. هناك نوع من الاستخفاف
وإذا كان الفنان مستقلا وملتزما بقضايا معينة من الصعب أن يستهوي شركات الإنتاج بالعالم العربي لأن هذه الشركات يحكمها الربح وسط غياب خطة ثقافية للأسف.
انا متعددة اللغات موسيقيا لأن كل نمط موسيقي لغة، وأحب الموسيقي والفن وشغفي أن أكتشف أنماطا جديدة وأبحر فيها وأحترفها، ربما كان هذا تعويضا عن كوني لم أصنع مسيرة تجارية كبيرة.
ما الشعور الذي ينتابك عندما تدركين أن صوتك شكّل جزءًا من ذاكرة طفولة أجيال كاملة في العالم العربي؟
مسؤولية كبيرة … في ذهني دائما الصورة التي يحبها الجيل الذي كبر على الرسوم المتحركة .. منهم من يراني أما ومن يراني صديقة طفولة أو الجنية التي تحقق الأمنيات.
كيف تتعاملين مع هذا الإرث الكبير الذي يرافق اسمك أينما ذهبت؟
كل هذه الصور الجميلة أحب أن أحافظ عليها ولا أريد أن أخرّبها بأي تصرف أو أي منتج موسيقي لا يكون في المستوى وهذا زاد من مسؤوليتي. . أنا أمام جيل كامل …
ما الذي يدفعك إلى الاستمرار في البحث والتجريب رغم ارتباط الجمهور بصورة معينة عن رشا رزق؟
العالم العربي يعيش صعوبات كبيرة من كل النواحي اقتصادية وسياسية … واليوم هناك فئات تتصارع بالمجتمع، المجتمع العربي يعيش حالة غليان وسط تناقضات كبيرة بين أراء الناس
ربما نحن اليوم على عتبة تغيير مجتمعي، ربما هناك صحوة معينة في كل المجتمعات العربية، وفي علاقتنا بالماضي وتاريخنا والتطور التكنولوجي السريع.
وبين سؤال الانفتاح على العالم ورغبة البعض في الانغلاق، يظل الفنان اليوم حاملا لشعلة الريادة لأن هذا دور الفنان الملتزم بقضايا مجتمعه
انا لا يمكن أن أكون خارج هذه الفكرة مهما حاولت، كبرت وأنا على هذه المسيرة وبعض الناس يقدرون هذا الشيء وهذا يسعدني.
هل هذا التجريب يعطيني خيارات؟ لا أعرف المهم أن تكون البوصلة موجودة؛ قضايا إنسانية مهمة وسوية فنية عالية للتعبير عن هذه القضايا، الأنماط الموسيقية ليست مهمة طالما البوصلة في الاتجاه الصحيح
لطالما حضرت القضايا الإنسانية في أعمالك، هل هو الإيمان بأن الأغنية قادرة على إحداث تغيير في الوعي الجمعي؟
تماما، هي قادرة على تغيير الناس ووعيهم ، أخطر سلاح هو سلاح الأفكار، الفكرة سريعة الانتقال وسريعة العدوى وهي الأخطر والأقوى والأهم وهي التي تغير الناس
مثّل ألبوم “ملاك” محطة خاصة في مسيرتك، ماذا بقي من تلك التجربة في وجدانك اليوم؟
يذكرني بفترة من حياتي ، هذا الألبوم لبلدي الذي كان يعاني ومازال، يدهشني أنني الآن عندما أسمع الأغاني وكأنها تحكي عن اليوم أسأل نفسي هل السر بالأغنية التي لها روح حقيقية فتعيش، أم أن واقعنا لم يتغير إلى حد الآن؟ سؤالان لا أجد لهما إجابة
في مرحلة ما، انتقل صوتك من مرافقة أحلام الأطفال إلى مرافقة آلام المنفيين وضحايا الحروب. كيف عشتِ هذا التحول؟
هي نفس القضية … نحن اشتغلنا للأطفال فنحن ندافع عنهم وعن حقوقهم وعن حياتهم وسعادتهم، وهذا جزء من القضية الإنسانية الكبرى .. دائما الأطفال يدفعون الثمن الأكبر بالحروب إن كانوا شهداء وإن كانوا أيتام أو جرحى وإن عانوا من ظروف الحرب ومن فقدان أبسط مقومات الحياة الصحية والتعليم والحياة الاجتماعية، والعقد والصدمات النفسية التي يعيشها أطفال الحروب …هي كلها قضية واحدة
ما الذي يختلف عند أدائك لأعمال كتبها أو لحنها آخرون؟
عندما أغني لآخرين يجب أن أكون مقتنعة بالعمل المقترح لا أقبل أية عمل وأنا دائما أحترم رغبة المؤلف ماذا يريد وأحاول أن أكون مترجمة تؤدي تماما ما يريده.
هذا تعلمته من الموسيقى الكلاسيكية، دائما عندما ندرس هذه الموسيقى نتعلم من أساتذتنا كل أسلوب موسيقي والفترة الزمنية وملاحظات المؤلفين، أحيانا لا يكتبون ومن خلال بحثنا التاريخي عن حياتهم نستشف كيف كان المؤلف يتخيل أن يكون أداء المغني ..
وفي نفس الوقت مطلوب منا أن نؤديها بنوع معين من البصمة الشخصية التي نضيفها وأيضا أداء فيه حداثة، خلطة ليست سهلة وأنا تعلمتها من خلال الموسيقى الكلاسيكية.
اليوم أي مؤلف أعمل معه يجب أن أبحث عن رغبته لأنه الشاهد الحقيقي، وبعض المؤلفين يعطونني مساحة كبيرة من الحرية في أداء أعمالهم لأنهم يراهنون على أنني أضيف شيئا يحبونه.
ما الذي تخشاه رشا رزق على المشهد الموسيقى العربي اليوم؟
الخوف ليس على المشهد الموسيقي العربي بل العالمي أيضا، اليوم مع الذكاء الاصطناعي انا أتفاجأ مؤخرا أن هناك مغنين يعطون أصواتهم للذكاء الاصطناعي، هل ماعدتم قادرين على الغناء؟ أتساءل ولا أقدر أن أصدر حكما، أنا أراقب، لا أخفي صدمتي وخوفي، إلى أين نمضي؟ أسئلة كبيرة أطرحها مثل كل الناس.
في نفس الوقت أقول يمكن أن الذكاء الاصطناعي بشكل عام سيغربل كل الأعمال البشرية ليس فقط الفن، والأعمال التي فيها خلق وابتكار هي التي يمكن أن تنفذ من سطوة الذكاء الاصطناعي.
مخاوف كبيرة من أن يصبح كثيرون بلا عمل، فنانون وغيرهم، نحن مقبلون على مرحلة صعبة، يجب أن نواكب لنبقى على قيد الحياة
بعد كل هذه الرحلة ذات التلوينات المختلفة على الصعيد الوجداني والفني، ما الذي لا تزال رشا رزق تبحث عنه في الموسيقى؟
القدرة على الاستمرار بإقناع الناس ببوصلة القضايا الإنسانية، زرع الإيمان بقلوبهم وأن هناك أمل وأننا مازلنا قادرين على الفعل ولو بأضعف الوسائل، أننا لم نفقد السيطرة على حياتنا.
هذا صعب جدا، ولكن من المهم أن نهتم بالجانب النفسي الروحاني ونحافظ على الأمل بأبسط الوسائل لخيرنا وخير الآخرين
هل هناك مشاريع جديدة تواصلين من خلالها هذا الخط الإنساني والشخصي في الكتابة والغناء؟
نعم، هناك مشروع، أتمنى ألا تكون أغنية صادمة، أحب أن أصدم ولكن الهدف جيد ، صدمة إيجابية وليست صدمة لهدف الصدمة.