في ظل تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية وتنامي الضغوط الاقتصادية والتجارية، تبرز الحاجة إلى إعادة بناء العلاقات بين ضفتي المتوسط على أسس تتجاوز المقاربات التقليدية التي ظلت تحكم التعاون بين أوروبا وبلدان الجنوب. فالتحديات المشتركة، من أمن الطاقة والغذاء إلى التحولات الاقتصادية والتوترات الدولية، تجعل من التعاون المتوسطي ضرورة استراتيجية متبادلة، لا خيارا تفرضه الظروف الطارئة.
هذا ما أكده جوزيبي بيروني، سفير الاتحاد الأوروبي بتونس، خلال مداخلته في الدورة الثامنة والعشرين للمنتدى الدولي لمجلة رياليتي، المنعقدة يومي 5 و6 نوفمبر الجاري بالحمامات، معتبراً أن المرحلة الراهنة تتيح فرصة للانتقال من مجرد إدارة الأزمات بصورة مشتركة إلى بناء شراكة حقيقية قادرة على استباق الصدمات والتخطيط لحلول مستدامة.
وأوضح بيروني أن التحولات التي يشهدها العالم، في ظل ارتفاع الأسعار وتصاعد النزعات الحمائية وتفاقم التوترات الجيوسياسية، أعادت تحديد طبيعة العلاقات بين الفاعلين الدوليين، وجعلت بلدان المتوسط شركاء لا غنى عنهم في مواجهة التحديات المقبلة.
وفي هذا السياق، لفت إلى تقاطع المصالح الاستراتيجية بين تونس والاتحاد الأوروبي، إذ تسعى أوروبا إلى تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية، فيما تعمل تونس على تدعيم سيادتها في مجالات الطاقة والغذاء والاقتصاد. واعتبر أن هذين التوجهين لا يتعارضان، إذ يحملان إمكانات للتكامل وبناء مصالح مشتركة.
من إدارة الأزمات إلى استباق الصدمات
وفي قراءته لأهداف الميثاق الجديد من أجل المتوسط، شدد السفير الأوروبي على أهمية تغيير طبيعة التعاون بين ضفتي المتوسط، بحيث لا يظل رهين الاستجابة للأزمات بعد وقوعها، وإنما يتحول إلى تعاون استباقي يقوم على توقع المخاطر والاستعداد لها ووضع حلول طويلة المدى.
وتعكس هذه المقاربة، وفق ما طرحه بيروني، حاجة الطرفين إلى تجاوز منطق التدخل الظرفي نحو بناء آليات تعاون أكثر استدامة، تستند إلى المصالح المتبادلة والقدرة على مواجهة التحولات الاقتصادية والجيوسياسية.
فالتحديات التي تواجه تونس وأوروبا، وإن اختلفت طبيعتها وحدتها، تتقاطع في عدد من الملفات الاستراتيجية، وهو ما يفتح المجال أمام مشاريع مشتركة يمكن أن تعزز قدرة الجانبين على مواجهة الصدمات وتقليص التبعية في القطاعات الحيوية.
مشاريع البنية التحتية… ركيزة التكامل الاقتصادي
ولم يقتصر حديث سفير الاتحاد الأوروبي على المبادئ العامة للشراكة، فقد استحضر عدداً من المشاريع التي يجري العمل على إنجازها، وفي مقدمتها مشروع الربط الكهربائي “ELMED” بين تونس وإيطاليا، الذي يمثل محطة مهمة في التعاون بين إفريقيا وأوروبا في مجال الطاقة.
واعتبر بيروني أن هذا المشروع يجسد طبيعة التعاون الذي ينبغي أن تقوم عليه العلاقات الثنائية في المرحلة المقبلة، مشيراً إلى أن مستقبل هذه العلاقات يرتبط بإنجاز مشاريع كبرى في البنية التحتية، قادرة على تسريع التكامل بين سلاسل القيمة والإنتاج.
وقال في هذا السياق إن المشاريع الكبرى للبنية التحتية هي التي يمكن أن تشكل أساساً لتطوير العلاقات الثنائية، وتعزيز الاندماج الاقتصادي بين الجانبين.
وتكتسب مشاريع الربط الطاقي أهمية خاصة في ظل التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة عالمياً، وما تفرضه من بحث عن مصادر متنوعة وإرساء شبكات تعاون إقليمية أكثر ترابطاً. كما تطرح إمكانات لتوسيع مجالات التعاون لتشمل الاستثمار والتصنيع وتبادل الخبرات والتكنولوجيا.
المنتدى… مساحة لفهم التحولات وصياغة الحلول
وفي حديثه عن أهمية المنتدى الدولي لمجلة رياليتي، اعتبر بيروني أن هذا الموعد يشكل فضاءً مهماً لفهم واقع العلاقات الدولية والتحولات التي يشهدها العالم، وكذلك لتبادل الرؤى واقتراح الحلول.
وأكد أن أهمية المنتدى بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي ترتبط أيضاً بمساره التاريخي ومواكبته لتطور العلاقات التونسية الأوروبية، منذ سنة 1955 إلى اليوم، وما شهدته هذه العلاقات من تحولات وإثراء وتوسع في مجالات التعاون.
وبين استحقاقات السيادة الاقتصادية والطاقية التي تطرحها تونس، ورهان الاستقلالية الاستراتيجية الذي تعمل أوروبا على تعزيزه، تبدو الشراكة المتوسطية أمام فرصة لإعادة تحديد أولوياتها. غير أن تحويل هذا التقاطع في المصالح إلى واقع ملموس يظل مرتبطاً بقدرة الطرفين على ترجمة التوجهات المعلنة إلى مشاريع مشتركة، وبناء تعاون لا يكتفي بمواجهة الأزمات ويستعد لما قد تحمله التحولات المقبلة.