لم تكن رحلة سهى المصري إلى تونس رحلة فنانة إلى مسرح، بقدر ما كانت رحلة قلبٍ اختار أن يصل مهما تعقّدت الطريق.
ورحلتها إلى تونس تستحق الرواية لأنها تعكس أن الفن موقف، فالفنانة اليمنية، التي عرفها الجمهور العربي من خلال تجربتها في برنامج “ذا فويس” لم تأتِ إلى تونس في رحلة عادية.
جاءت حاملة معها صوت اليمن وذاكرته، ومحمّلة بمحبة لبلد اختارت أن تلتقي جمهوره فيه بعيدًا عن حسابات النجومية ومقتضياتها.
بدأت الحكاية برسالة، دعوة وُجّهت إليها للمشاركة في تظاهرة “أثر الفراشة” من قبل مديرها خالد الحمروني.
كانت الرسالة تحمل تعريفًا بروح التظاهرة وأهدافها وخصوصيتها ولم يكن منتظرا بالضرورة أن تأتي الإجابة سريعا، خصوصا أن الحديث كان مع فنانة لها حضورها في اليمن والخليج والمشرق العربي.
لكن الرد جاء، ولم تكتفِ سهى المصري بإبداء اهتمامها بالدعوة، بل أظهرت منذ التواصل الأول حماسا حقيقيا للمشاركة، وتحدثت عن تونس بمحبة، قبل أن تبدأ التفاصيل العملية المتعلقة بالحضور.
وحين طُرح عليها موضوع الفرقة الموسيقية التي سترافقها، لم تجعل غياب فرقتها شرطا يحول دون حضورها.
وحين علمت أن موسيقيين تونسيين قادرون على تقديم عرضها بالمستوى المطلوب، تعاملت مع الأمر بثقة في الموسيقى التونسية وفي كفاءة عازفيها.
كانت تريد أن تأتي، وهذا وحده كان كافيا لتبدأ الرحلة، بل إنها عرضت أن تتكفل بإقامتها على نفقتها الخاصة باعتبارها مشاركة متطوعة. وحين علمت أن الجهة المنظمة ستتكفل بضيافتها، لم تتردد حينما علمت أن المكان المقترح ليس فندقا فاخرا، بل إقامة هادئة في قلب الواحة.
كان يكفيها أن تكون في تونس، لكن الطريق إلى تونس لم يكن بالسهولة التي بدت عليها موافقتها على القدوم.
مع اقتراب موعد السفر، طرأت تعقيدات مرتبطة بإقامتها في المملكة العربية السعودية، وتحولت المسألة الإجرائية إلى سباق مع الزمن، بدا معه وصول الفنانة إلى تونس مهددا.
بعيدا عن المسرح والأضواء، بدأت سهى المصري معركة أخرى، تحركات واتصالات وتغيير في ترتيبات السفر، ومحاولات متواصلة لإنقاذ موعد كان يقترب بسرعة.
كان عليها أن تغير مسار رحلتها، وأن تنتقل من جدة إلى الرياض، وأن تعيد ترتيب تفاصيل سفرها في وقت ضيق للغاية.
في الساعات الأولى من الصباح، جهزت الحقيبة على عجل، واقتطعت تذكرة أخرى، وفيما كان الوقت يتحرك أسرع من الجميع كان يمكن أن تتراجع ولكنها لم تفعل.
رغم التعقيدات، ظلت متمسكة بفكرة الوصول،
وبعد أن تجاوزت عقبة السفر، بقيت عقبة أخرى أكثر قسوة تنتظرها عند الوصول.
في المطار، ساعات طويلة من الانتظار، وتعقيدات مرتبطة بإجراءات الدخول، رغم وصولها بجواز سفر دبلوماسي.
كانت سهى المصري هناك، في الجهة الأخرى من الحلم، وقد قطعت كل تلك المسافة لتجد نفسها معلقة بين باب المطار وموعد كانت قد جاءت من أجله.
كان التعب قد بلغ مداه، وفي لحظة بدا فيها الأمل على وشك الانطفاء، عبّرت عن احتمال العودة بعد طول انتظار.
لكن الاتصالات والتحركات لم تتوقف، وبقيت هناك محاولات لفتح الطريق أمام الفنانة حتى تحقق ما بدا قبل ساعات أمرًا بالغ الصعوبة.
ثم جاء الانفراج، ودخلت سهى المصري تونس أخيرا، وانتهى فصل طويل من الانتظار والتعب والإصرار، وبداية فصل آخر عنوانه اللقاء.
وتتجاوز الحكاية تفاصيل سفر، لأن سهى المصري لم تكن مطالبة بكل هذا، كان بإمكانها الاعتذار مع توفر الأعذار، لكنها اختارت العكس.
اختارت تونس، واختارت جمهورًا ينتظرها، واختارت أن تكون وفية لدعوة قبلتها بمحبة، وأن تخوض من أجلها رحلة لم تكن مضمونة في أي مرحلة من مراحلها.
لذلك فإن
وقيمة سهى المصري تزايدت منذ أن تطوعت لحضور تظاهرة أثر الفراشة، ثم تعمقت حين واجهت أول عائق، ثم حين غيّرت مسار رحلتها.
ثم حين واصلت الانتظار، ثم حين تمسكت بآخر خيط ممكن للوصول.
وفي النهاية، وصلت لترسخ موقف فنانة حملت معها أكثر من صوت بلدها، حملت معنى الوفاء لفكرة، واحترام جمهور، وإيمانا بأن الثقافة يمكن أن تصنع جسورًا لا تحتاج إلى تأشيرات كثيرة، وأن المحبة أحيانًا تكون أقوى من كل التعقيدات التي تقف في الطريق.
وحينما صعدت سهى المصري في اختتام “أثر الفراشة” إلى المسرح، كان الجمهور أمام فنانة لم تصل إليه بسهولة، وأمام صوت عبر مسافة طويلة، وواجه أبوابا مغلقة، وغيّر طريقه، وانتظر، وكاد أن يعود، ثم بقي.