أكد رئيس المنتدى الدولي لمجلة رياليتي «Réalités» ، الطيب الزهار، أن الميثاق الجديد من أجل المتوسط يمثل فرصة استراتيجية يتعين على تونس اغتنامها لتعزيز موقعها في الفضاء الأورو-متوسطي، والانتقال من دور الطرف المتلقي للمبادرات إلى دور الشريك الفاعل في صياغة السياسات والمشاريع وتحديد أولويات التعاون.
وفي كلمته الافتتاحية للدورة الثامنة والعشرين للمنتدى، المنعقدة يومي 5 و6 نوفمبر 2026 بالحمامات، تحت عنوان «تونس والاتحاد الأوروبي: الميثاق من أجل المتوسط في مواجهة الصدمات العالمية»، شدد الزهار على أن استمرارية المنتدى منذ سنة 1998، على امتداد 28 دورة، تعكس الإيمان بأهمية الحوار والنقاش وتبادل الأفكار، خاصة في ظل الأزمات والتحولات السياسية والاقتصادية والجيوسياسية. واعتبر أن الحوار ليس ترفاً، بل ضرورة تزداد أهميتها في الفترات الصعبة.
وأوضح أن اختيار موضوع هذه الدورة يندرج في استمرارية النقاش الذي أطلقته الدورة السابقة حول مستقبل العلاقات بين تونس والاتحاد الأوروبي، والحاجة إلى تجاوز المقاربات التقليدية للتعاون نحو شراكة أكثر توازناً وطموحاً تقوم على المصالح المشتركة.
وأشار إلى أن الميثاق الجديد من أجل المتوسط، الذي قدمته المفوضية الأوروبية في أكتوبر 2025، يرتكز على ثلاثة محاور أساسية: التنمية البشرية والتكوين والتنقل، والاقتصادات المستدامة والمتكاملة، والتعاون في مجالات الأمن والاستعداد للأزمات وإدارة الهجرة. كما أشار إلى أن خطة العمل الأولى، المقدمة في أفريل 2026، تتضمن 21 مبادرة.
وفي هذا السياق، شدد على ضرورة عدم الاكتفاء بالإعلانات والالتزامات السياسية، بل الانتقال إلى تقييم المشاريع والتمويلات والآجال والمسؤوليات، وقياس النتائج الفعلية. كما أكد أهمية إشراك المؤسسات الاقتصادية والجامعات والشباب والمجتمع المدني، وضمان مشاركة بلدان الضفة الجنوبية في صياغة المبادرات وتنفيذها، لا الاكتفاء بتلقي برامج يتم إعدادها خارجها.
وبخصوص تونس، دعا الزهار إلى تجاوز النظرة التي تختزل علاقتها بأوروبا في ملفي الهجرة والأمن، أو تعتبرها مجرد طرف على هامش الفضاء الأوروبي، مؤكداً ضرورة أن تفرض البلاد موقعها كشريك استراتيجي كامل، يساهم في تحديد أولويات التعاون وصياغة المشاريع ذات القيمة المضافة المشتركة.
وأبرز في هذا الإطار ما تمتلكه تونس من كفاءات بشرية وإمكانات صناعية وتكنولوجية وموقع جغرافي استراتيجي، فضلاً عن قدرتها على المساهمة في سلاسل القيمة الصناعية الجديدة والانتقال الطاقي والاقتصاد الرقمي والبحث العلمي والابتكار والتكوين. واعتبر أن تحويل هذه الإمكانات إلى فرص حقيقية يستوجب رؤية متكاملة تتجاوز المشاريع المعزولة، وشراكة تقوم على الثقة والمعاملة بالمثل واحترام أولويات كل طرف.
كما دعا إلى تغيير النظرة إلى المتوسط، وعدم اختزاله في الأزمات والهجرة والتوترات الجيوسياسية والمخاطر الأمنية، باعتباره فضاءً للتكامل الاقتصادي والطاقي، وتبادل المعارف والكفاءات والاستثمارات، والتعاون في مواجهة التحديات المناخية والبيئية والاجتماعية.
ومن أبرز المقترحات التي أعلن عنها رئيس المنتدى، العمل على تحويل منتدى رياليتي «Réalités» إلى موعد سنوي لمتابعة تنفيذ الميثاق الجديد من أجل المتوسط وتقييم نتائجه، خاصة في ما يتعلق بتونس، من خلال رصد الالتزامات وقياس التقدم المحرز وتحديد العراقيل وتسليط الضوء على المبادرات التي تحقق نتائج ملموسة. وأكد أن دور المنتدى، باعتباره فضاءً إعلامياً مستقلاً، يتمثل في إثراء النقاش العام ومساءلة الالتزامات ومقارنتها بالإنجازات، والمساهمة في ترسيخ ثقافة التقييم والشفافية والمسؤولية المشتركة.
وختم الطيب الزهار بالتأكيد على أن نجاح الميثاق الجديد لن يُقاس بما يتضمنه من طموحات وإعلانات، بل بما يحققه من إنجازات فعلية، مشدداً على أن مستقبل المتوسط لا يمكن أن يُبنى دون مشاركة حقيقية لشعوبه.