في العادة، تسير المؤتمرات الصحافية الخاصة بلجان تحكيم المهرجانات الدولية وفق طقس مضبوط: كثير من الدبلوماسية، وقليل من السياسة، ووفرة من العبارات التي تحتفي بالسينما بوصفها لغة إنسانية كونية تعلو على الصراعات.
لكن صباح الثلاثاء، بدا كاتب السيناريو الإسكتلندي بول لافيرتي وكأنه جاء ليكسر هذا الطقس من أساسه، إذ تعامل مع السينما باعتبارها موقعاً أخلاقياً في صراع دائم على الحقيقة والذاكرة والعدالة.
لافيرتي، الذي يحمل تاريخاً طويلاً من الانحياز لليسار ومن التعاون مع المخرج كين لوتش في أفلام سبر أغوار الإقصاء الاجتماعي والطبقي، حمل هذا الموقف معه إلى قلب واحد من أكثر المهرجانات السينمائية بريقاً في العالم.
منذ اللحظة الأولى، لم يكن كلامه منفصلاً عن السياق العالمي المحتقن. غير أنه اختار ألا يكتفي بإدانة ما يجري في غزة من بعيد، بل وضع إصبعه مباشرة على الجرح الأكثر حساسية داخل الصناعة السينمائية الغربية نفسها وهو الثمن الذي يدفعه الفنانون حين يجاهرون بتضامنهم مع الضحايا.
وقال في ختام المؤتمر الصحفي للجنة تحكيم المسابقة الرسمية “هل يمكنني فقط أن أقول شيئاً صغيراً؟ مهرجان كان لديه ملصق رائع. أليس من المثير للاهتمام أن نرى أشخاصاً مثل سوزان ساراندون وخافيير بارديم ومارك روفالو قد وُضعوا في القائمة السوداء بسبب آرائهم المعارضة لقتل النساء والأطفال في غزة؟ العار على العاملين في هوليوود الذين يفعلون ذلك.”
لم يكن توظيف عبارة “القائمة السوداء” اعتباطياً، فالمصطلح يستدعي مباشرةً إحدى أكثر الفترات قتامةً في تاريخ هوليوود وي الحقبة المكارثية (نسبة إلى السيناتور جوزيف مكارثي)في خمسينيات القرن الماضي، حين جرى إقصاء كتّاب ومخرجين وممثلين بتهمة التعاطف مع الشيوعية، فدُمّرت مسيرات ونُبذت أسماء، وسادت ثقافة الخوف والإسكات.
حين يُستعاد هذا المصطلح اليوم على منصة رسمية في مهرجان كان، فإن الأمر يتجاوز حدود التضامن العابر، إنه اتهام مباشر للصناعة السينمائية الأمريكية بأنها تُعيد إنتاج آليات العقاب الجماعي ذاتها، لكن هذه المرة بذرائع مختلفة وأسماء جديدة.
والأشد وطأةً أن لافيرتي لم يتحدث عن هامشيين أو أصوات معزولة، بل عن أسماء تنتمي إلى صميم الثقافة السينمائية العالمية: ساراندون التي حملت تمثالها الذهبي قبل عقود؛ وبارديم الحائز على الأوسكار عن دور لا يُنسى في “لا بلد للعجائز”؛ وروفالو أحد أكثر الوجوه حضوراً وتأثيراً في هوليوود المعاصرة.
وعبر استحضار هذه الأسماء يقول ضمناً إن العقاب لم يعد حكراً على الهامش، بل بات يطال حتى النجوم الكبار حين يتجاوزون الحدود السياسية المرسومة في بلدانهم.
“كل احترامي وتضامني الكامل معهم. إنهم أفضل منّا، وأنا أكنّ لهم إعجاباً كبيراً.” قال لافريتي، جملة قصيرة غير فيها مفهوم النجومية وصار النجوم من اختاروا دفع ثمن أخلاقي حقيقي.
لكن اللحظة الأكثر كثافةً دلالياً جاءت حين التفت لافيرتي إلى الملصق الرسمي للمهرجان، المستوحى هذا العام من فيلم Thelma & Louise، وقال بنبرة ساخرة “آمل فقط ألا نتعرض للقصف الآن، لأن لدينا هذا الملصق في كان.”
هذه السخرية اللاذعة تكشف تناقضاً غربياً صارخاً بين الاحتفاء بسوزان ساراندون أيقونةً سينمائية خالدة على واجهة أرقى مهرجانات العالم، وفي الوقت ذاته تهميشها ومعاقبتها بسبب موقف سياسي.
إنها المفارقة التي تفضح قدرة المؤسسات الثقافية الكبرى على تحويل الفنان إلى صورة وأسطورة، مع انتزاع شرعيته حين يتحول إلى صوت.
ولم يقتصر لافيرتي على نقد هوليوود، بل وسّع الدائرة نحو المشهد السياسي العالمي، مقتبساً من مسرحية الملك لير: “إنها آفة هذا الزمان حين يقود المجانين العميان.”
وهذا الاقتباس توصيف لعالم باتت فيه الوحشية المنظّمة أكثر شرعيةً من الاحتجاج عليها، وأصبح فيه قمع الصوت الإنساني ممارسةً مؤسسية.
وحين أضاف أن ما يجري في غزة يرقى إلى مستوى “الإبادة الجماعية”، فإنه كان يدرك تماماً ثقل هذه الكلمة في زمن باتت اللغة نفسها فيه ساحة معركة؛ إذ ينزع كثيرون إلى انتقاء مصطلحات محايدة تتحاشى الاتهام المباشر.
المثير أن لافيرتي لم يقدّم المهرجان باعتباره عالماً منفصلاً عن هذا الخراب، بل وصفه بأنه “ترياق” مؤقت في مواجهة قسوة سائدة.
وقال: “ترى الكثير من العنف والإبادة الجماعية في غزة وكل هذه الأمور المروعة. ثم تأتي إلى مهرجان يحتفي بالتنوع والخيال والرقة الإنسانية، في وقت يسوده هذا العنف الفظ والوحشي والمنهجي. هنا تجد التناقضات والعمق والجمال والإلهام.”
في هذا التصور، تتحول السينما من ترف جمالي معزول إلى محاولة للمقاومة في وجه الانحدار الأخلاقي.
والمهرجان، بكل بريقه وسجاده الأحمر وكاميراته وأقسامه وضيوفه، يغدو فضاءً تتصادم فيه المتناقضات: الجمال في مواجهة الوحشية، والخيال في مواجهة آلة القتل، والصوت الفردي في مواجهة السرديات الرسمية الكبرى.
وتستمد تصريحات لافريتي أهميتها من كونها نابعة عن قناعة راسخة بأن الفن، مهما بدا هشاً أمام العنف المنهجي، يبقى قادراً على فضح التواطؤ وكسر ثقافة الصمت.