أمام الآلهة النائمة أريان التي تستلقي في المتحف الأثري بأوتيك، أغمضت عينيّ وتخيّلت…
تخيّلت الماء وهو يتدفّق في نافورة تجلت بعض ملامحها في التمثال، والمدينة تستعيد شيئا من ضجيجها القديم.
تخيّلت خطوات عابرة في فضاء كان يوما عامرا بالحياة، وأصواتا تتداخل بين جدران لم يبق منها اليوم سوى ما تقاوم به الزمن.
ثم فتحت عينيّ على التمثال، ساكنا في مكانه، كأنّه يحتفظ بسرّ لا يريد البوح به دفعة واحدة.
من تمثال الآلهة النائمة أريان إلى الفسيفساء واللقى والمجوهرات والمقبرة البونية، تتوالى الشواهد على حضارات تعاقبت، وتركت في الأرض ما يكفي لإعادة تخيّل حياة كاملة.
هذا السفر في التاريخ خلقته زيارة للمتحف والموقع الأثري بأوتيك تزامنت مع الندوة الصحفية لمشروع “فيا باغرادا” (Via Bagrada) ، الذي تشرف عليه جمعية “ميوزيم لاب”، في مسار يسعى إلى تثمين التراث الثقافي والطبيعي بالشمال الغربي التونسي وربط اكتشافه بالسياحة والتنمية المحلية.
وفي أوتيك، تتجسد قيمة هذا التوجه في قدرة الموقع على استدراج الزائر إلى أكثر من مستوى من الاكتشاف، من ذلك تاريخ المدينة، وما أخرجته الحفريات من لقى، وما تكشف عنه القطع المعروضة من جوانب الحياة القديمة، وما يتيحه المكان من أسئلة حول العلاقة بين الإنسان وبيئته ومعتقداته.
من متحف أوتيك بدأت رحلتنا في ذاكرة مدينة تعاقبت عليها الحضارات، وتركت في باطن أرضها شواهد على حياة امتدت قرونا.
داخل المتحف، تتغير طبيعة الإصغاء إلى التاريخ، فبعد أن كانت أوتيك مدينة بعيدة في صفحات الكتب، تصبح تفاصيلها أقرب إلينا من خلال قطع أثرية مختلفة، لكل منها حكايتها ودلالتها.
تتجاور المكتشفات لتفتح أمام الزائر نوافذ على عوالم متعاقبة، وتمنحه فرصة الاقتراب من جوانب من الحياة اليومية والمعتقدات والفنون التي عرفتها المدينة.
وفي مرافقة رملة الحصايري، ممثلة وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، تتخذ الزيارة منحى استكشافيا، إذ يصبح الحديث عن المكتشفات مدخلا لفهم ما تختزنه أوتيك من ثراء أثري، وما تتيحه الحفريات من إمكانات لإعادة تركيب ملامح تاريخها.
وتتجاوز اللقى أشياء انتُزعت من باطن الأرض وأودعت في فضاء للعرض، لتحاكي أجزاء من حكاية مدينة كاملة.
فكل قطعة تحمل أثرا من حياة غابت، وكل تفصيل يستدعي أسئلة عن الإنسان الذي صنعها أو استخدمها، وعن المكان الذي احتضنها، وعن الظروف التي حفظتها حتى وصلت إلينا.
وتستوقفنا المجوهرات بما تحمله من دقة في الصنع وتنوع في الأشكال، فتبدو كأنها رسائل صغيرة وصلت من عالم بعيد.
وتكمن قيمتها في مادتها وفي ما تكشف عنه من مهارات وحرفية وذائقة جمالية، وفي ما تثيره من تساؤلات حول أصحابها والفضاءات التي استُخدمت فيها.
أمام هذه القطع، يصعب ألا نتخيل الأيدي التي صنعتها، والوجوه التي ارتدتها، والمناسبات التي رافقتها.
وربما كانت بعض هذه الحلي جزءا من تفاصيل الحياة اليومية، وربما ارتبط بعضها الآخر بطقوس أو مناسبات خاصة.
وفي كل الأحوال، فإنها تتيح لنا الاقتراب من جانب إنساني حميم من تاريخ المدينة، جانب لا ترويه المعالم الكبرى وحدها.
فالتاريخ يُكتب بما شيّده الإنسان من مبانٍ، وأيضا بما صنعه من أشياء صغيرة رافقته في حياته، وحمل بعضها معه إلى مثواه الأخير.
وتتجه العين إلى الفسيفساء، حيث تتحول القطع الصغيرة إلى صور تتخطى مادتها، وتكشف عن حس جمالي ومهارة تقنية في تشكيل المشاهد والزخارف.
في هذه الأعمال، تتجاور الألوان والأشكال ضمن بناء دقيق، يجعل من كل جزء عنصرا في صورة أكبر. وما يبدو للوهلة الأولى مجرد زخرفة، يتحول عند التأمل إلى أثر فني يحمل شيئا من تصور الإنسان القديم للجمال، ومن علاقته بالفضاء الذي عاش فيه.
تمنحنا الفسيفساء فرصة لقراءة التاريخ من زاوية مختلفة، فبدلا من تتبع الأحداث والتحولات السياسية، نصغي إلى ما تقوله الفنون عن المجتمعات التي أنتجتها، وعن ذائقتها ومهاراتها والموضوعات التي اختارت أن تمنحها حضورا دائما.
وبين قطعة وأخرى، تتسع مساحة التأمل في تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها تذكّرنا بأن الحياة القديمة لم تكن فقط معارك وتواريخ، بل كانت أيضا فنا وصناعة وإبداعا.
أما التماثيل، فتفتح بابا آخر على عالم المعتقدات والرموز، ففي ملامحها وهيئاتها، وفي ما تحمله من دلالات، تتجلى جوانب من التصورات التي رافقت الإنسان القديم، ومن الطرق التي عبّر بها عن علاقته بما يتجاوز عالمه المادي.
ومن خلال ما تعرضه هذه القطع، تتشكل أمامنا ملامح من عالم رمزي كان حاضرا في حياة سكان أوتيك، وتكشف عن أهمية النحت والتمثيل في التعبير عن ذلك العالم.
لكن التمثال، مثل بقية اللقى، لا يروي حكايته كاملة. فمعناه يتصل بمكان العثور عليه، وبوظيفته الأصلية، وبالسياق التاريخي الذي ينتمي إليه.
لذلك، فإن قراءة القطعة الأثرية لا تنفصل عن عمل الباحثين وعن المعلومات التي توفرها الحفريات والدراسات، وهو ما يمنح المتاحف أهميتها فهي تمنح القطع سياقاتها وتساعد الزائر على فهمها.
لا تمنحنا القطع الأثرية وحدها إجابات مباشرة عن كل الأسئلة التي تدور برؤوسنا، لكنها تذكّرنا بأن المدينة حجارة ومعابد ومقابر وفضاء بشري عاش فيه الناس، وتواصلوا واحتفلوا وأنتجوا أشكالا من التعبير.
وبين المجوهرات التي حفظت شيئا من تفاصيل المظهر والزينة، والتماثيل التي تقرّبنا من عالم المعتقدات، تتشكل صورة ناقصة، لكنها غنية بما تتيحه من إمكانات للتخيّل والبحث.
نغادر المتحف، لكن الحكايات التي أثارتها القطع المعروضة لا تنتهي عند أبوابه، على العكس، تقودنا إلى المكان الذي خرجت منه، إلى الأرض التي احتفظت بآثار المدينة، وإلى الفضاءات التي شهدت حياة سكانها قبل أن تتحول إلى بقايا تستدعي التأمل والبحث.
في الموقع الأثري بأوتيك، يتغير إيقاع الزيارة، فبعد أن كنا نتأمل قطعا منفصلة من خلف واجهات العرض، صرنا أمام فضاء مفتوح تتوزع فيه بقايا المعالم، وتصبح فيه المسافة بين الأثر وسياقه أقصر.
هنا، تلتقي المعرفة التي اكتسبناها داخل المتحف بالمكان الذي احتضن تلك الشواهد، ويصبح المشهد امتدادا لما بدأناه بين اللقى والتماثيل والفسيفساء.
على امتداد الأرض التي احتضنت واحدة من أقدم مدن شمال إفريقيا، تمتدّ أوتيك الأثرية، مثقلة بطبقات من التاريخ، كأنّها ذاكرة مفتوحة على أكثر من زمن.
لا يبدو الماضي بعيدا أو منفصلا عن المكان، إنه يتسرّب من بين الحجارة، ويطلّ من بقايا الجدران، ويختبئ في تفاصيل المعالم التي قاومت تقلبات القرون.
في أوتيك، لا تحتاج الحكاية إلى كثير من الخيال كي تبدأ، يكفي أن تخطو داخل الموقع الأثري، وأن تترك عينيك تتنقلان بين ما تبقّى من عمران المدينة القديمة، حتى تجد نفسك أمام أسئلة عن الذين مرّوا من هنا، وعن الحياة التي دارت في هذه الفضاءات قبل أن يصمت المكان.
تستوقفك بقايا المعالم، وتشدّك تفاصيلها إلى زمن آخر، حين كانت المدينة فضاء للعيش والتجارة والتفاعل بين الحضارات. وما يبدو اليوم أطلالا صامتة كان يوما جزءا من عمران نابض، تتداخل فيه الفضاءات وتتشابك فيه تفاصيل الحياة.
وأوتيك تحتفظ بمكانة خاصة في تاريخ تونس القديم، فهي من أقدم المدن الفينيقية في شمال إفريقيا، ويرتبط تأسيسها، وفق الرواية التاريخية المتداولة، بسنة 1101 قبل الميلاد، أي قبل تأسيس قرطاج سنة 814 قبل الميلاد.
ومنذ نشأتها، ارتبطت المدينة بالبحر وبحركة التجارة، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومن صلاتها بالعالم المتوسطي. ثم تعاقبت عليها مراحل تاريخية مختلفة، من الحقبة البونيقية إلى السيطرة الرومانية، لتصبح آثارها اليوم مساحة تختزل تحولات سياسية وثقافية وعمرانية امتدت قرونا.
في أوتيك، لا تبدو هذه التحولات مجرد تواريخ متراصة في كتاب تاريخ، إنها حاضرة في طبيعة الموقع، وفي تنوع ما أخرجته الحفريات من شواهد، وفي اختلاف وظائف الفضاءات التي تكشف عنها الآثار.
وبين ما شاهدناه في المتحف وما نراه في الموقع، تتضح العلاقة بين القطعة الأثرية ومحيطها، وبين ما تحفظه واجهات العرض وما بقي من المدينة في مكانه الأصلي.
وفي المقبرة البونية، تحاكي الحفريات محاولة لفهم علاقة الإنسان بالموت، وما ارتبط بها من معتقدات وممارسات وطقوس. وتصبح اللقى المكتشفة، مهما صغر حجمها، جزءا من حكاية أكبر عن الحياة والذاكرة والغياب.
وفيما تقربنا المجوهرات والتماثيل والفسيفساء من مظاهر الحياة، تضعنا المقابر أمام ما أراد الإنسان أن يتركه خلفه، وما اعتقد أنه يحتاج إليه في عالم آخر.
وما بين هذه الشواهد، تتسع المسافة بين ما نعرفه وما يمكن أن نتخيله، وتبقى الأرض حافظة لأجزاء من حكايات لم تكتمل.