رحلت فريدا دهماني كما يرحل كل أولئك الذين لا يُحدثون ضجيجا وهم يعبرون الحياة، لكنهم يتركون أثرًا يشبه الوشم الراسخ في ذاكرة مهنة الصحافة.
لم تكن من أولئك الذين يرفعون أصواتهم ليُثبتوا حضورهم، بل كانت تكتب… والكتابة، حين تكون صادقة، أعلى من كل صخب.
منذ البداية، كانت الصحافة قدرا اختارها كما اختارته وكان الشغف جليا في ممارستها يتسلل في دقة جملة، وفي صرامة تحقيق، وفي تلك المسافة الأخلاقية التي كانت تحافظ عليها بينها وبين الموضوع.
كانت تعرف أن الصحافة ليست مهنة فحسب، بل مسؤولية ثقيلة تحتم أن ترى الخفي وأن تقول المسكوت عنه دون أن تنزلق إلى الاستعراض.
في “جون أفريك”، لم تكن فريدا مجرد اسم ضمن فريق، بل كانت جزءا من نسيج تحريري يتطلب صبرا نادرا ونَفَسا طويلا، وهو اختيار لا يخلو من رهانات المهني والذاتي، رهانات كسبتها حينما بنت أثرها حرفا تلو الحرف.
كانت تنحت مكانها كما يُنحت الحجر، بتؤدة، بثبات، وبإيمان لا يتزعزع بما تفعل، لم تُغوها الأضواء، ولم تُغرها المسارات السهلة واختارت الطريق الأصعب، حيث التحقيق يسبق الرأي. وفي زمن التسرّع، كانت فريدا تنتمي إلى زمن آخر هو زمن التحقق، والتدقيق، والإنصات.
ولعل أكثر ما كان يميزها، تلك الأخلاقيات الصارمة التي لم تكن شعارًا عابرا في حياتها، بل ممارسة يومية إذ أنها لم تُساوم على المهنية، ولم تكن تُخفف من حدّة السؤال إرضاءً لأحد.
ومع ذلك، بقيت خافتة الظهور، كأنها تؤمن أن الصحفي الحقيقي يجب أن يختفي خلف نصّه، لا أن يتقدمه.
رحلت فريدا فجأة، كما لو أنها اختارت أن تغادر بنفس الخفة التي عاشت بها، غياب يترك فراغًا واضحًا، يُقاس بنوعية مقالاتها، وبذلك الاحترام الصامت الذي كانت تحظى به داخل الوسط المهني.
هي ليست فقط “صحفية ممتازة” كما يقال عنها، بل هي نموذج نادر لصحفيّة فهمت جوهر المهنة تركت درسا بسيطا وعميقا في الآن نفسه: هو أن الصحافة، في نقائها الأول، هي التزام، وأن الكتابة بصدقها تتحول إلى أثر.