مفيدة خليل– المسرح سؤال مزعج للسلطة وكل المنظومات السياسية والاجتماعية، المسرح فكرة جريئة ومحاولة لكشف انواع التزييف واشكال الدجل التاريخي، المسرح ولادة متجددة لفعل التفكير وامام بوابة السؤال يضع كريم عاشور جمهور مسرحية “تمثال حجر” التي عرضت ضمن فعاليات الدورة الاخيرة لتظاهرة الخروج الى المسرح.
المسرحية من تمثيل رامي الشارني وحسام المبروك واحمد الحشيشة وحمدي عبد الجواد وايمن الخبوشي وصادق مزيد وسينوغرافيا بلال بن سليمان ونص لحاتم الحشيشة والفريق التقني عبد المنعم خشلوف وعمر العمري وملابس سعاد الحمروني انتاج شركة الجوكر بصفاقس 2025.
المسرحية ساخرة حدّ الوجع
“تمثال حجر” هو عنوان المسرحية، تدور احداثه في جامعة للفنون الجميلة تحتفي بالذكرى الثلاثين لوفاة بطل البلاد والمدينة “الكابتن نوت” ويكلف احد النحاتين بانجاز تمثال تخليدا لصورة وملاحم البطل، فضاء العمل فضاءات، تتغير عبر استعمال الاضاءة وتحريك بعض جزئيات الديكور ليكون اما الجامعة او الحانة او الميناء حسب نسق الاحداث وتصاعد وتيرتها.
“تمثال حجر” عنوان العمل متكون من مترادفتين وكلتاهما تحيل على معنى الجمود، تمثال صامت ومصنوع من حجارة صمّاء، العنوان يحيل الى مفردات مثل الصمت، الخنوع، الاستسلام ومشاهدة تزييف التاريخ دون محاولة للاصلاح، هذه المفردات ستطرح اثناء اللعب وكلما تقدمت احداث المسرحية يكتشف المتفرج لم اختير أن يكون التمثال من الحجارة، فكاتب النص تلاعب بالمفردات واعتمد على الترميز لنقد التاريخ وزيفه، لان المسرحية تطرح سؤال، هل تاريخنا حقيقي؟ هل ابطالنا حقيين ام من صنع الصدفة والفنانين؟ وهل الفنان صادق في تعامله مع الاثر ام بدوره مساهم في زيف التاريخ وتزوير الحقيقة.
المسرحية تجبر المتفرج على استعمال العقل وطرح الاسئلة، هل ابطالنا حقيقين؟ هل التماثيل الكثيرة المنتشرة في الساحات قدم اصحابها بطولات حقيقية ام هم من خيال النحات وكتاب التاريخ؟ ماهو دور المسرح وهل يمكن للخشبة ان تكون اوّل شرارة البحث عن الحقيقة؟.
اعتمد المخرج اضاءة خافتة اغلب المشاهد ومسلطة عادة على ممثل واحد، في اشارة الى ضبابية الحقائق وربما ظلمة بعض فصول من تاريخ هذا البلد، فاحداث الحكاية المسرحية يمكن اسقاطها على البلد حقيقة وكم من اسطورة صنعها فقط المقدسين لها.
“تمثال حجر” مسرحية تكسر حواجز الصمت، تثير السؤال وتنبش في الذاكرة الجماعية، عمل جريء نحته اصحابه بالكثير من الحرفية، مجموعة مسرحية مبدعة تعمل خارج المركز وتصنع فنا حقيقيا، تناص بين الممثل وشخصيته، ونص ساخر وناقد في الوقت ذاته واضاءة وموسيقى صنعت خصيصا ليكون العرض متكامل من حيث البناء الدرامي والرمزيات، عمل جريء ينطلق من السخرية السوداء لينقد الفنان والمنظومة ويرفع الستارة عن تماثيل تخدم السلطة لازالت تواصل عملها بجدية، المسرحية تؤكد ان المسرح فعل نضال مستمر وحقيقي ومن واجب المسرحي مساءلة التاريخ.
التناص بين الممثل والشخصية آلية للتجريب والسؤال؟
لا مسرح دون ممثل، فالممثل هو العمود الفقري للمسرحية واساسها، في “تمثال حجر” اعتمد المخرج كريم عاشور على ثلة من امهر الممثلين في صفاقس، ممثلين ومبدعين يتقمصون الشخصيات حد التناص، استطاعوا بأجسادهم وافكارهم تحطيم “مركزية المسرح” والانتصار لفن الممثل وللفنان صاحب الفكرة اينما وجد، في “تمثال حجر” صنع الممثلين ملاحم فنية وانسانية، وقام العمل على صراعات وتناقضات تعيشها كل الشخصيات.
ينطلق العمل بمشهد يجسد النحات (الشخصية الوحيدة دون اسم) منهمك لاتمام الملامح الاخيرة للتمثال المنتظر، النحات تنقصه بعض التفاصيل لينجح في انجاز اثره الفني، في الجهة المقابلة عميد الجامعة ومديرها يزيدان من الضغط لانهاء التمثال قبل حفل افتتاح كبير، وبين الضمير وضغط المنظومة يعايش النحات عملية الابداع، شخصية “النحات” جادة، صادقة يحاول ان يكون العمل في اجمل صورة احتراما للشخصية المنحوتة وكذلك لانامل الفنان الساحرة، شخصية هادئة همها الوحيد انجاز تمثال حقيقي وجميل، ولكن تنقصه بعض المعلومات، ومع الاحداث يكتشف الجمهور ان النحات مجرد اداة بيد السلطة “اعتقدت انني اصنع ابداعا، ها انني اصنع الوهم، انا فقط مطرقة وجنزير بيد السلطة” فالنحات حين عرف حقيقة “السيد نوت” وانه لم يكن بطلا قوميا ولم يشارك في الحرب اجبرته المنظومة على الصمت واتمام العمل، وبين ضميره الانساني وسطوة السلطة ممثلة في المدير والعميد والتتبعات المالية المجبر بدفعها سيختار النحات ذاته وفنّه “صنعت الكثير من الاصنام لاشخاص مزييفين” ويقرر تحطيم اسطورته، تفتيت التمثال لينتصر في النهاية الضمير على السلطة وجسدها الممثل حمدي عبد الجواد وتميز بحرفية مطلقة في الاداء.
الشخصية الثانية هي “مهدي” اداها ايمن خبوشي، “مهدي” الحالم بالعدالة الطلابية والباحث عن الحقيقة، يترك الخارج بكل مغرياته ليعود الى الوطن بحثا عن معلومات عن “الكابتن نوت” حتى ينجز كتابا توثيقيا عن حقيقة البطل/المزعوم، لان مهدي متاكد من زيف الاسطورة، شخصية مهدي تعيش العديد من الصراعات مع ذاتها ومجتمعها الضيق وحتى ممثلي الجامعة رموز السلطة الذين حاولوا شراء صمتهم حتى يكتب ما تريده السلطة من تبييض للسيد نوت، “مهدي” عاد للبحث عن حقيقة نوت فاكتشف حقيقته، عاد ليفتح جراحات الزيف ليجد ان حقيقته غير ثابتة وتاريخه مزيف، شخصية مهدي الثائرة قدمها ايمن خبوشي الممثل المتمكن من أدواته الدرامية والقادر على الانتقال من وضعية نفسية الى اخرى بسلاسة، ممثل مقنع ظاهر الشخصية هادئة وباطنها بركان انفجر نهاية المسرحية.
ممثل مبدع وساحر على الخشبة، مسكون بفن التمثيل، له قدرة رهيبة على الاقناع والتناص مع شخصياته، الشخصية المنحوتة على الحجر “الكابتن نوت” نجدها امامنا في العرض، “موجة” العربيد ساكن الميناء، مزاجية الشخصية وتقلباتها، مراوحتها بين التراجيديا والكوميديا والانتقال بين الحكايات جميعها تفاصيل التقطها رامي الشارني في المسرحية وابدع في نحتها لتبدو الشخصية مبنية جيدا من حيث المعنى والأداء، “كابتن نوت” الاسطورة المزيفةّّ، اتقن ملامحها رامي الشارني وقدم شخصية جعلت من الخشبة منبرا للتساؤل والمساءلة اذ تحرك الوعي في المتفرج تجاه علاقة معقدة بين التاريخ والذاكرة والسلطة وما يقال رسميا وما يخفى في الظلال لتضع المتلقي امام إشكاليات اعمل تتصل بوعيه الجمعي وموقعه كمواطن فاعل في كتابة تاريخه كما قال الشارني عن الشخصية.
تحضر السلطة في المسرحية من خلال شخصيتي العميد ومدير الكلية، جسد حسام مبروك شخصية “السيد العميد” شخصية مركبة، اكبر من عمر الممثل بعشرات السنين، شعر ابيض وحركات بطيئة وولاء مطلق للمنظومة، العميد رمز للسلطة والاشخاص الخانعين والمسلمين بكل الحقائق، شخصية لا تريد استعمال العقل او الاجتهاد، غايتها الصعود في السلم المالي والاجتماعي وانانية مفرطة تجاه الذات على حساب المجموعة والوطن، حسام مبروك تماهى مع تناقضات الشخصية ونقلها للجمهور بحرفية ممثل متمكن من ادواره وعارف بقيمة المسرح ودوره في التاثير والتغيير.
ممثل السلطة الثاني هو المدير، الشخصية الحدث في المسرحية، دور مختلف عن البقية ابدع احمد الحشيشة في تجسيده، شخصية انثوية السلوك والمشية ولكنها عاجزة عن اتخاذ القرارات، احمر شفاه وملابس بالوان فاقعة وتفاصيل انثوية كثيرة سكبها الممثل في روحه ليقدم “المدير”، الشخصية الة من اليات السلطة لصناعة الزيف وكتابة تاريخ وبطولات لاشخاص عاديين، وكم من مسؤول حبّر وصنع امجادا لأشخاص كانوا في الحقيقة اكثر جبنا من مجرد اتخاذ قرار.
اخر الشخصيات “غزل” شخص يعرف الجميع، “غزل” يرمز الى الشعب، الى ابناء الهامش الذين يصارعون اليومي ليحيوا، يبدو بسيطا ولكنه العارف بكل الحقائق، “غزل” المهمش او المنسي هو الاصدق والاكثر معرفة بالحقيقة، ادى الشخصية صادق مزيد ونجح بتلقائيته في شد انتباه الجمهور.
كل هذه الشخصيات المتصارعة نماذج عن شخوص حقيقيين في المنظومة والمجتمع، هم رموز اعتمد عليهم المخرج لطرح السؤال عن حقيقة التاريخ ومدى مساهمتنا جميعا في الانتصار للحقيقة والرغبة في فتح نوافذ الماضي والتجرأ على تواريخ وشخصيات قثدّسها صانعيها لتبدو وكانها انصاف الهة لا يمكن حتى التخمين او طرح السؤال عن جدية تاريخها؟.