انطلقت، مساء اليوم، فعاليات النسخة الحادية عشرة من منتدى رياليتي الدولي للصحة الرقمية، الذي تجاوز كونه موعدا دوريا ليشكل لحظة كاشفة عن تحوّل عميق تعيشه المنظومة الصحية في تونس، وهي تعبر من نموذجها التقليدي إلى أفق “الصحة 4.0”.
في نزل الحمراء تالاسو بياسمين الحمامات، يدور ملتقى مهني يفتح نقاش واسع حول مستقبل الطب حين يصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا في القرار، والمعطيات الصحية مادة أولية لإعادة صياغة العلاقة بين الطبيب والمريض.
ومنذ دوراته الأولى، سعى منتدى رياليتي إلى ترسيخ موقعه كمنصة جامعة بين عوالم كانت تبدو، إلى وقت قريب، متباعدة وهي الطب، والتكنولوجيا، والسياسات العمومية.
غير أن دورة هذا العام تكتسي خصوصية لافتة، لأنها تأتي في سياق تسارع غير مسبوق للتحولات الرقمية عالميًا، حيث لم يعد السؤال هل ستتغير المنظومات الصحية، بل كيف وبأي سرعة وبأي كلفة اجتماعية وأخلاقية.
ومع انطلاق المنتدى مساء اليوم بحضور نخبة من الفاعلين في المجالين الأكاديمي والصناعي، يتعزز الاعتراف بأن الصحة الرقمية لم تعد ترفًا تكنولوجيا، بل خيارا استراتيجيا يفرض نفسه على السياسات الصحية. فالتقنيات التي كانت تُطرح بالأمس كاحتمالات مستقبلية، باتت اليوم جزءًا من الممارسة اليومية: من الذكاء الاصطناعي في التشخيص، إلى تحليل الصور الطبية، وصولًا إلى إدارة المعطيات الصحية على نطاق واسع.
غير أن ما يمنح هذا المنتدى أهميته لا يكمن فقط في استعراض هذه التقنيات، بل في طبيعة الأسئلة التي يطرحها، فحين نتحدث عن إدماج الذكاء الاصطناعي في اختصاصات دقيقة مثل الإنعاش والتخدير أو طب الأورام، فإننا لا نتحدث فقط عن تحسين الأداء، بل عن إعادة تعريف الأدوار: من يقرر؟ ما حدود تدخل الآلة؟ وأين تنتهي المسؤولية البشرية وتبدأ خوارزميات التنبؤ؟
في هذا السياق، تبرز مسألة المعطيات الصحية كقلب نابض لهذا التحول، فالمعطيات لم تعد مجرد سجلات، بل أصبحت ثروة استراتيجية، تتطلب حوكمة دقيقة توازن بين الاستغلال الأمثل والحماية الصارمة.
والنقاش الذي سيفتتحه المنتدى حول قابلية التشغيل البيني وتأمين البيانات لا ينفصل عن رهانات السيادة الرقمية، خاصة في دول الجنوب التي تسعى إلى بناء نماذجها الخاصة دون الارتهان الكامل للمنصات العالمية.
ولعل من أبرز ما يميز دورة هذا العام، هو الحضور القوي للبعد الأخلاقي، فمع تعاظم دور الذكاء الاصطناعي، تتكاثر الأسئلة حول الثقة وهل يمكن الوثوق بخوارزمية في اتخاذ قرار طبي؟ كيف يمكن ضمان الشفافية؟ ومن يتحمل المسؤولية في حال الخطأ؟ مشاركة اللجنة الوطنية للأخلاقيات الطبية
وخبراء قانون الصحة تعكس وعيًا بأن التحول الرقمي، مهما كان مغريًا، لا يمكن أن يتم خارج إطار قيمي وتنظيمي واضح.
إلى جانب ذلك، يفتح المنتدى نافذة على أحد أكثر المفاهيم حداثة في الطب المعاصر وهي “التوائم الرقمية”.
هذا التصور الذي يقوم على إنشاء نموذج رقمي مطابق لجسم المريض، يتيح محاكاة العلاجات والتنبؤ بمآلات الأمراض، يضعنا أمام نقلة نوعية نحو طب شخصي وتنبؤي. لكنه في الآن ذاته يثير تساؤلات عميقة حول حدود المعرفة الطبية، وإمكانية اختزال الجسد البشري في بيانات ونماذج.
البعد الدولي للمنتدى يضفي عليه كذلك طابعًا استراتيجيًا، خاصة مع مشاركة خبراء ومؤسسات من أوروبا وإفريقيا وأمريكا الشمالية، إلى جانب الاتحاد الدولي للاتصالات. فالتعاون شمال-جنوب وجنوب-جنوب لم يعد خيارًا تكميليًا، بل ضرورة لتبادل الخبرات وتكييف الحلول مع خصوصيات كل منظومة صحية.
وفي هذا الإطار، تبدو تونس وهي تستضيف هذا الحدث، كأنها تسعى إلى تثبيت موقعها كجسر بين هذه الفضاءات، ومخبر مفتوح لتجريب نماذج جديدة في الصحة الرقمية.
ولا يغيب عن هذه الدورة البعد التطبيقي، من خلال المائدتين المستديرتين حول إدماج الذكاء الاصطناعي في الصناعة الصيدلانية، والسجل الطبي المشترك.
هذان المحوران يعكسان انتقال النقاش من مستوى التنظير إلى مستوى السياسات العمومية، حيث تصبح الأسئلة أكثر إلحاحًا، عن كيفية تنفيذ هذه المشاريع وما هية التحديات التقنية؟ وكيفية ضمان انخراط مختلف الفاعلين.
وبالتوازي مع النقاشات، تأتي مسابقة المشاريع لتؤكد على رهان المنتدى على الابتكار المحلي. فدعم المبادرات الناشئة في مجال الصحة الرقمية لا يقتصر على تشجيع الأفكار، بل يندرج ضمن رؤية أوسع تهدف إلى خلق منظومة بيئية قادرة على إنتاج حلول تونسية تستجيب لحاجيات الواقع.
وبين الإمكانات الواعدة والتحديات المعقدة، ينطلق المنتدى، حاملاً معه هذا التوتر الخلاق بين الحلم والواقع. وفي هذا التوتر تحديدًا، تتشكل ملامح الصحة 4.0، ليس كخيار تقني فقط، بل كمشروع مجتمعي يعيد تعريف معنى العلاج، وحدود المعرفة، وأفق العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا.
ي.ش