في 2006، في وقت كان فيه نقد الواقع ورسم صورة المجتمع دون زخرفة امرا صعبا، جاءت Gultrah Sound System لتتحدث بصوت عال عن كل ما يعيشه المجتمع من صعوبات. ولد الإسم في جلسة عفوية جمعت حليم يوسفي ورفاقه دون ادراكهم أن الفرقة ستكون من أهم الفرق التونسية التي ستساهم في ترسيخ الموسيقى الUnderground او البديلة في تونس، وتبني قاعدة جماهيرية واسعة ستضل وفية لها على مر السنين.
لم تبحث Gultrah على الأضواء الكبيرة بقدر ما بحثت عن أولئك القريبين منها، القادرين على فهم الرسائل التي تحملها أغانيها. فالتجارب القاسية التي مرّ بها حليم تحوّلت الى كلمات وموسيقى ومساحة يلتقي فيها ما عاشه هو بما يعيشه الكثيرون.
وربما هذا ما جعل المجموعة تستمر. فنحن جميعا نخوض تجارب صعبة، لكن ليس جميعنا قادرا على ترجمتها الى كلمات او التعبير عنها عبر الموسيقى. ولكن حليم استطاع ان يفعل ذلك ووجد جمهورا يرى نفسه في أسطر كلمات أغانيه وتجاربه في ألحانه.
وهذا مايؤكده حليم دائما، ويقول أن الموسيقى ليست للترفيه فقط بل عليها أن تحمل رسالة، وان تحترم المستمع ولا تستخف به. ولهذا ظلت Gultrah قريبة من واقع نعيشه كل يوم… حتى وان مرّت السنين وتغيرت الحقبات.
“وحيد القرن” .. عزلة حليم اليوسفي في مرآة المجتمع
تعود Gultrah الى أيام قرطاج الموسيقية في دورتها الحادية عشر، بعد مشاركتها الاخيرة في الدورة السادسة سنة 2019، والتي حصدت خلالها جائزتين : الجائزة المهنية، التي مكّنتها من القيام بجولة عروض شملت بيروت وعمّان والقاهرة وباريس. وجائزة المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة (OTDAV). وتحمل عودتها هذه المرة مشروعا جديدا بعنوان “وحيد القرن”، يعبّر من خلاله حليم اليوسفي عن جانب شخصي ونفسي من تجربته.
هذه العودة لم تكن مجرد عرض جديد في مسيرة المجموعة، بل كانت لقاء متجددا مع جمهور رافقها على امتداد سنوات. وأمام قاعة غصّت بالحاضرين، تفاعلت كل الشرائح العمرية الحاضرة في الحفل مع الأغاني القديمة والجديدة على حدّ سواء، وكأن مرور الزمن لم يغير شيئا في علاقته بالمجموعة.
انسجم حليم مع الموسيقى، وحمل حلمه معه على الركح، رقص على ايقاع الأغاني وضحك في لحظات اخرى وأطلق العنان لحركات جسده، في مشهد عكس ارتياحه واعتزازه بالمسار الذي اتخذه، وبما استطاع ان يصل اليه.
لماذا وحيد القرن؟
بالنسبة الى حليم لا يقتصر اختيار الاسم على رمزية الحيوان، بل يرتبط بالإحساس بالوحدة والعزلة التي يراها حاضرة في حياتنا اليومية. فعلى الرغم من تواجدنا داخل مجتمعات مزدحمة، وعلى الرغم من تعدد وسائل التواصل الاجتماعي التي خلقت بالأساس لكسر الحواجز وتمتين التواصل بين الأشخاص، يبدو لنا أن التواصل الإنساني الحقيقي أصبح أكثر صعوبة.
وتتجاوز هذه العزلة، في تصور حليم، التجربة الفردية لتطرح تساؤلنا حول علاقاتنا الاجتماعية. ومن هنا، يصبح “وحيد القرن” مدخلا للتعبير عن حالة يعيشها الفرد في علاقته بنفسه وبمحيطه، بين رغبته في الانتماء وحاجته الى شق طريقه الخاص وحيدا.
ويجد حليم نفسه في صورة “وحيد القرن”، خصوصا في استقلاليته واختياره طريقا محددا دون توجيه من الاخرين، اذ يقول : ” ارى نفسي في وحيد القرن، لوحدته في اختيار اتجاهه، ليس هنالك من يوجّهه، اخذ طريقي وأمشي فيه وحيدا”.
عشرون سنة مرّت، وماتزال Gultrah تعرّي الواقع وتعبّر عن كل مايخالج صدورنا، حاملة على عاتقها رسالة لم تتخلّ عنها، حتّى في فترات انقطاعها عادت المجموعة بقوّة، لتؤكد أن ما يجمعها بجمهورها يتجاوزحدود الزمن وأن بعض الأصوات لا تنسى مهما طال الغياب.
Gultrah ليست مجرّد مجموعة ولدت من جلسة جمعت أصدقاء، بل هي حكاية حب وشغف للموسيقى وإيمان بقدرتها على قول مايصعب قوله وأمل في غد أفضل.
هديل الهمٌامي