لا يقدّم فيلم “حكايات الأرض الجريحة” للمخرج العراقي عباس فاضل نفسه كوثيقة آنية عن عدوان عابر، ولا يكتفي بتسجيل مشاهد الخراب في جنوب لبنان تحت القصف الصهيوني، بل يشتغل، منذ لقطاته الأولى، على ما هو أعمق من الحدث نفسه، ذلك الأثر الذي تتركه الحرب حين تتحوّل إلى زمن يومي، وإلى تجربة معيشة داخل البيت والعائلة والمكان.
هنا، لا تأتي الكاميرا من الخارج، ولا تتعامل مع الدمار كصورة صادمة تُستهلك بصريا، بل تنبع من الداخل، من حياة مخرج وجد نفسه شاهدا وضحية في آن واحد، فاختار أن يحوّل هذا الموقع المأزوم إلى فعل سينمائي واعٍ.
ينطلق عباس فاضل في هذا الفيلم من موقع ذاتي واضح، لكنه لا يتوقف عند حدود السيرة الشخصية، بل يستخدمها بوصفها مدخلا لقراءة جماعية أوسع.
الجنوب اللبناني لا يظهر هنا كجغرافيا مستهدفة فحسب، بل ككائن جريح، تُقاس خسارته بما فُقد من بيوت، وما تهدّم من ذاكرة، وما تركته الحرب في وجوه الناس الذين قرروا البقاء أو العودة إلى الركام.
ومن خلال تشريك زوجته نور بلّوق وابنتهما كاميليا، لا يذهب الفيلم إلى استدرار العاطفة، بل إلى تفكيك معنى العيش تحت التهديد، وكيف تتسرّب الحرب إلى تفاصيل الحياة الأكثر حميمية.
هذا الحوار الذي أجرته رياليتي أون لاين مع المخرج إثر عرض الفيلم في الدورة الماضية من أيام قرطاج السينمائية يفتح أسئلة الفيلم من الداخل، متى تتحوّل التجربة الشخصية إلى ضرورة سينمائية؟ وكيف يوازن المخرج بين كونه شاهدا يعيش الخطر يوميا، وبين حاجته إلى مسافة جمالية وأخلاقية؟ وما الذي تعنيه السينما حين تُنجز بأدوات محدودة، ومن دون طاقم تقني كامل، وفي فضاء لا يسمح بالحياد ولا بالانتظار؟
كما يتوقف عند خيارات الصورة، بين الكاميرا الأرضية ولقطات الدرون، وبين ما يُصوَّر وما يُقصى أخلاقيا، في فيلم يفضّل الإصغاء إلى ما بعد الانفجار، لا إلى لحظة الانفجار نفسها.
في “حكايات الأرض الجريحة”، لا تبدو الحرب موضوعا بقدر ما تبدو خلفية ثقيلة لحكايات عن البشر والأمكنة بعد الكارثة. ومن هنا، لا يرى عباس فاضل نفسه مخرج حروب، بل مخرج أمكنة جريحة، يشتغل على آثار العنف الطويلة في النفس والجغرافيا والزمن.
حوارنا معه هو محاولة للاقتراب من هذه التجربة السينمائية الحسّاسة، وفهم رهاناتها الفنية والأخلاقية، في فيلم يضع السينما الوثائقية أمام أحد أسئلتها الأكثر إلحاحا، عن نصوّر الألم من دون أن نستهلكه، وكيفية حفظ الذاكرة من دون أن نحولها إلى مشهد.
متى أدركت أن ما يحدث في الجنوب اللبناني ليس مجرد حدث تعيشه، بل مادة سينمائية لا بد من توثيقها؟
أنا أسكن في جنوب لبنان، في ضيعة اسمها الكفور قريبة من مدينة النبطية. عندما انطلق القصف كنت أعتقد أنه سيستمر بضعة أيام، وربما أسبوعا، كما حصل في مرات عديدة سابقة. لكن حين طال أمده، شعرت، كمخرج وثائقي، أنه لا بد من توثيق ما يحصل. بدأت أصوّر بشكل يومي ما يجري، الجيران، والخراب، صوّرت قرابة 13 شهرا.
بعدها اضطررنا إلى ترك الضيعة لأن القصف أصبح كثيفا وخطيرا، وقضينا شهرين في شمال بيروت كلاجئين. بعد توقيع اتفاق إطلاق النار عدنا، وصوّرت لحظة الرجوع واكتشاف ما حصل. وجدنا قرانا مدمّرة تماما، وإحساسا عميقا بالفقدان.
هل كان قرار تحويل التجربة الشخصية والعائلية إلى فيلم واعيًا منذ البداية، أم وُلد تحت ضغط اللحظة والخطر؟ وكيف وازنت بين كونك شاهدًا/ضحية، وكونك مخرجًا مطالبًا بالمسافة الفنية؟
المعادلة كانت صعبة جدا. الحل الأوسط والطبيعي والإنساني كان أن أهرب مع عائلتي إلى مكان آخر، سواء داخل لبنان أو خارجه. لكن كثيرا من الناس اختاروا البقاء لأنهم متعلقون بأرضهم. أنا لست فلاحا، لكن جيراني لديهم حقول وحيوانات، وعائلتي لديها أربع قطط لم نرد تركها.
كمخرج، شعرت أن الطريقة الوحيدة لأكون مفيدا هي أن أوثّق ما يحدث، لأن لا أحد غيري سيفعل ذلك. وسائل الإعلام لا تهتم بما يحصل في حياة البسطاء اليومية.
في “حكايات الأرض الجريحة” يذوب الذاتي في الجماعي. كيف اشتغلت على معادلة “الجزء والكل” سينمائيا؟ وإلى أي حد ترى أن إشراك ابنتك كاميليا وزوجتك نور بلّوق خيارا جماليا، وليس فقط إنسانيا؟
العمل يخضع للغة سينمائية، ويهمني أن يشعر المشاهد بمتعة، حتى لو كان الفيلم يتناول الحرب. من هنا تنبع الجمالية. كل ما حصل جاء بشكل بديهي. أنا حاصل على دكتوراه في السينما من جامعة السوربون، وصنعت أفلاما عديدة، لكن عندما أصوّر لا أكون المنظّر السينمائي، بل الفنان بالفطرة. الأمر جرى بشكل طبيعي وبديهي.
الصورة في الفيلم تبدو “مجروحة” مثل الأرض. هل اشتغلت على هذا المعنى بصريا بوعي مسبق؟ وما الذي أتاحته لك لقطات الدرون مقارنة بالتصوير الأرضي في التعبير عن الفقد والدمار؟
الصورة هي موزاييك للدمار الجماعي الذي عشناه في جنوب لبنان. أنا ضد الاستخدام المبالغ فيه للدرون، لكن في مشاهد معيّنة شعرت أنه لا بد من رؤية الدمار من السماء: دائرة كاملة مُحيت.
أما فكرة أن يبدو الأمر وكأن الله يراقب ما يجري، فهي قراءة جميلة. الفيلم ملك الجمهور، وكل مشاهد يفسره بطريقته وحسب إحساسه.
كيف أثّر غياب الطاقم التقني الكامل على لغتك السينمائية وعلى قراراتك الجمالية؟
تصوير الواقع صعب، خاصة عندما يكون الأشخاص قريبين منك. الاهتمام بالكادر والصوت متعب جسديا ونفسيا وأخلاقيا. لم يكن هناك حل آخر؛ لم يكن ممكنا استقدام فريق أجنبي وانتظار القصف معا. هذا تقريبا فيلمي الرابع الذي أكون فيه كل الطاقم.
في أول أفلامي اشتغلت بالطريقة الكلاسيكية: مدير تصوير، مهندس صوت، ومساعدون. هذه الطريقة لم تعجبني. أن تصوّر فيلما حميما بشخصيتين، وخلف الكاميرا خمسون شخصا، يقتل العفوية، وهو مكلف جدا على مستوى الوقت والمال. هذه الطريقة لا تناسبني.
كيف تعاملت أخلاقيًا مع تصوير الألم، خاصة في مشاهد البيوت المدمرة والتشييع؟ وهل شعرت في لحظة ما أن الكاميرا تتجاوز حدودها؟
غودار يقول: “الترافيلينغ (حركة الكاميرا) مسألة أخلاقية”. في الواقع، كل خيار تقني في السينما هو خيار أخلاقي: لماذا تتحرك الكاميرا؟ ولماذا تكون اللقطة قريبة أو بعيدة؟
أنا أؤمن أن هناك أشياء لا تُصوَّر. لا أصوّر الموت ولا الجثث. إذا كان شخص يبكي في لحظة تراجيديا، أنتظر حتى يتمالك نفسه، وربما بعد ذلك أسمح لنفسي بتصويره. في فيلمي لا توجد جثث ولا مشاهد موت. هذا أسلوب قديم عندي؛ في فيلمي “وطن: العراق سنة صفر”، الذي وثّق الاحتلال الأميركي والحرب في العراق ومدته خمس ساعات ونصف، لا تظهر أي جثة، رغم أن أفرادا من عائلتي قُتلوا. المعلومة تصل إلى المشاهد دون الحاجة إلى عرض الجسد.
هل ترى نفسك مخرجًا لأمكنة جريحة أكثر منك مخرج حروب؟
بالضبط. في أفلامي توجد مشاهد قصف، خصوصا في البداية، لكن الجزء الأكبر يهتم بما بعد النتائج. لا تهمني لحظة سقوط القنبلة بوصفها لحظة فرجوية كما نراها غالبا في التلفزيون والإنترنت. ما يهمني هو نتيجة الكارثة.