بقلم : مرام حمراني*
بدأت القصة منذ الطفولة مع صعوبة في الكلام تُعرف بالتأتأة. رغم الخجل والخوف من التعثر أمام الآخرين، لم تمنع هذه الصعوبة صاحبتها من المضي قدمًا. اليوم، تحولت هذه التجربة الشخصية إلى رسالة أمل وتوعية تصل إلى الناس في تونس وحول العالم.
تأتأة في عمر الطفولة تثير حالة من الذهول وسط العائلة
بدأت قصة ياسمين مع التأتأة في سن مبكرة، في سن الرابعة تقريبا، عندما لاحظت عائلتها صعوبة نطق بعض الكلمات. في البداية، لم يكن للأمر أهمية كبيرة، اعتقادا من عائلتها أنه مجرد “دلال” لطفلة صغيرة أو مرحلة عابرة مثلما يحدث مع الكثير من الأطفال في بداية تعلم الكلام. لكن مع مرور الوقت بدأت حالتها تثير الريبة خصوصا أنها كانت أول طفلة تمر بهذه الحالة، ولم يسبق لعائلتها مواجهة حالة مشابهة. ومع استمرار الصعوبة، بدأوت تدرك أن الأمر يتعلق بالتأتأة وليس مجرد مرحلة مؤقتة.
مرحلة المدرسة وصعوبة التأقلم
عندما التحقت ياسمين بالمدرسة، بدأت التأتأة تظهر بشكل أوضح، وأصبح الأمر يأخذ بعدا أكثر تعقيدا حيث أصبحت ياسمين تشعر مع مرور الوقت بالخجل و ينتابها الخوف شيئا فشيئا من الكلام أمام الآخرين. كانت ياسمين تجد صعوبة في التواصل مع الأطفال، وتتجنب الوقوف أمام القسم لإلقاء المحفوظات أو القراءة بصوت مرتفع. ولكن مع تقدم سنوات العمر، وخاصة في سن العاشرة، أصبحت أكثر وعيًا باختلاف طريقة كلامها مقارنة بأصدقائها، وهو ما زاد شعورها بالخجل حينا والتوتر حينا آخر، وجعلت من التفاعل مع محيطها ومجتمعها تحديًا يوميًا.
مرحلة علاج النطق
في محاولة للتغلب على صعوبتها، التجأت عائلة ياسمين إلى أخصائية علاج النطق واللغة. غير أن ياسمين لم تكن راضية عن هذه التجربة التي وصفتها بغير الجيدة. جلسات العلاج كانت مقتصرة على محاولة نطق الكلمات أو ممارسة ألعاب بسيطة، ولم تكن مناسبة لمشكلتها النفسية والاجتماعية أو لمساعدتها على التكيف والتأقلم مع محيطها. هذه التجربة أكدت لها أن الحل لا يأتي دائمًا من الخارج، وأن عليها البحث في داخلها لفهم حالتها والتعامل معها بفاعلية.
مرحلة البحث الذاتي والتعمق في دراسة التأتأة
بعد تجربة العلاج، قررت ياسمين عدم الاعتماد فقط على الأخصائية، وبدأت بحثها الذاتي المكثف عن التأتأة، اطلعت على العديد من الدراسات والأبحاث، وتعمقت في فهم حالتها الشخصية وطرق التعامل مع الصعوبة. بدأت بتطوير استراتيجيات تساعدها على التكيف وتحقيق أهدافها، وشعرت أن التأتأة أصبحت جزءًا من شخصيتها يمكن التعامل معه بوعي، بدل أن يكون مصدر خوف أو خجل مستمر.
أدركت أن التأتأة ليست عائقًا أمام أحلامها أو قدراتها، بل جزء من شخصيتها يمكن أن تستفيد منه لتقوية ذاتها وإلهام الآخرين. هذه المرحلة كانت نقطة تحول حقيقية في حياتها، حيث بدأت تخرج من دائرة الخجل والانعزال إلى التفاعل الإيجابي مع محيطها.
مرحلة التوعية وصناعة المحتوى
بعد دراسة حالتها بعمق، قررت ياسمين تحويل تجربتها إلى رسالة توعية عملية. بدأت بصناعة محتوى على مواقع التواصل الاجتماعي باللغة الإنجليزية، للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس حول العالم. بعد ذلك، التجأت الى استخدام اللهجة التونسية لكسر الحواجز واختصار المسافات لتصل مباشرة إلى الجمهور المحلي، حيث لاقى المحتوى تفاعلًا كبيرًا. هدفها الأساسي كان توعية الناس بماهية التأتأة وتعليمهم كيفية التعامل مع من لديهم هذا النوع من الخلل في النطق ليشعرهم بأنهم ليسوا وحيدين، وليفهم الآخرون طبيعة هذا المرض وكيفية التعامل معه.
لقد أصبحت ياسمين اليوم مثالًا للشجاعة والإصرار، وقصتها تثبت أن الاختلاف لا يمنع الإنسان من النجاح. صوتها المتعثر أصبح رسالة أمل، وصل تأثيره إلى العديد من الناس الذين يعانون من نفس الحالة، وأظهر لهم أن القدرة على التأثير ليست مرتبطة بالكمال في الكلام، بل بالصدق والشجاعة في مواجهة التحديات.
الهدف والحلم : تأسيس أول جمعية للتأتأة
تطمح ياسمين إلى تأسيس أول جمعية للتأتأة في تونس، تجمع الأشخاص الذين لديهم تأتأة من جميع الأعمار والفئات والجنسيات. الهدف هو تمكينهم من التواصل والتحاور وتبادل التجارب والدعم النفسي، لتعزيز الثقة بالنفس والشعور بأنهم ليسوا وحدهم. هذا الحلم يعكس التزامها الشخصي بتحويل تجربة التأتأة إلى رسالة إيجابية للمجتمع بأكمله.
قصة ياسمين ليست مجرد تجربة مع التأتأة، بل رحلة تحول من الخوف والخجل إلى الشجاعة والإلهام. من طفلة عاشت صعوبة في الكلام إلى شابة تبني محتوى توعوي وتلهم الآخرين، علمتنا أن الاختلاف ليس عائقًا، وأن القوة الحقيقية تكمن في قبول الذات ومشاركة التجربة مع الآخرين. حلمها بتأسيس جمعية للتأتأة في تونس يعكس إيمانها بأن الدعم والتواصل يمكن أن يمنح كل شخص ثقته بنفسه ويجعله يشعر بأنه ليس وحده. قصة ياسمين تذكرنا أن كل تحدٍ يمكن تحويله إلى رسالة أمل تؤثر في حياة الكثيرين.
*طالبة بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار